تدخل انتفاضةُ القدسِ غمارَ شهرها السادس؛ قضي عشرات الشهداء الفلسطينيين نحبهم، وخسر آلاف منازلهم وأرزاقهم وأصيب مثلهم أيضًا. وفي المقابل نفق قرابة 35 صهيونيًّا وأصيب العشرات في مئات عمليات الطعن والدعس، فترى هل حققت انتفاضة القدس -التي ما زالت مشتعلة- أهدافها؟ أم أننا سنكتفي باحتسابهم عند الله شهداء؟

قبل الإجابة على هكذا سؤال ينبغي الإشارة إلى نقطة هامة في فَهم طبيعة الصراعات من هذا النوع؛ وهي أنه كلما كان الصراع غير متكافئٍ؛ فإن النصر أو الهزيمة لا يمكن تقييمهما بمقدار الخسائر فقط؛ لأن الأضعف دخل المعركة طوعًا أو فرضًا، لكنه يعلم أنه الطرف الأضعف وأن خسائره تكون أكبر؛ وفي الحروب النظامية يحضرني الآن حرب فيتنام التي قتل فيها قرابة نصف مليون فيتنامي في مقابل عدة آلاف من الأمريكيين، ولكن النصر كان حليفًا للفيتناميين؛ نظرًا لأنهم استطاعوا تحقيق ما دخلوا الحرب لأجله. كذلك حرب أكتوبر؛ التي كانت نسبة شهدائنا أمام قتلى الصهاينة فيها 7 : 1 ولكن النصر كان حليفًا لنا فيها. نفس الأمر في الانتفاضات التي تقوم بها الشعوب أمامَ أنظمة قمعية أو احتلال يدعي أنه دولة، فالصراع هو صراع إرادات، من يفرض إرادته ويحقق أكبر قدرٍ من أهدافه؛ هو المنتصر.

قبيل اندلاع الانتفاضة المباركة، كان الاحتلال على وشك تنفيذ مخططه الشيطاني؛ وهو تقسيم المسجد الأقصى زمانيًّا ومكانيًّا بينه وبين الفلسطينيين، وهي خطوة هامة لهم تسبق المخططات الشيطانية الأكبر التي تتعلق بهدم الأقصى وبناء هيكلهم المزعوم. كذلك كانت اقتحامات الصهاينة للمسجد الأقصى تتم بصورة شبه يومية تحت حماية شرطة الاحتلال.

الآن وبعد مرور خمسة أشهر على اندلاع الانتفاضة ما الذي جد؟ هل نجحت الانتفاضة في فرضِ إرادتها على الاحتلال؟

1- جمّد الاحتلالُ الصهيونيُ مشروعه الآثم لتقسيم الأقصى إلى أجل غير مسمى، بعد ما كنا على وشك تنفيذه بالفعل.

2- قلت الاقتحامات الصهيونية للأقصى تدريجيًّا، ومع آخر اقتحام للأقصى؛ كانت عملية طعن بطولية في بابِ العمود، نتج عنها إصابة جندية صهيونية بجراح خطرة.

وفي الطريق إلى تحقيق تلك الإنجازات؛ كسر الشعب الفلسطيني شوكة الاحتلال وحاجز الخوف منه، خاصة بمناطق الضفة الغربية والقدس، وكذلك كسر شوكة شرطة أوسلو التي كانت تقمع المظاهرات التي تخرج ضد الاحتلال؛ ولك أن تتأمل مشهد أحد الشرطيين في شرطة السلطة وهو يقوم بعملية دعس ضد الصهاينة انتقامًا من جرائمهم ضد الاحتلال. وهو مشهد يستحق التأمل والتحية وسابقة خطيرة تستحق الوقوف والتحليل، فربما يكون هناك غيره عشرات لم يتطبعوا بطباع الخيانة والتدليس للاحتلال.

كما عادت القضية الفلسطينية إلى تصدر طاولة مناقشات القوى العالمية من جديد بعد فترة من تناسي وتعامي القوى العالمية عنها، وقد صدر في خضم الانتفاضة عدة إعلانات من برلمانيات دولية بالاعتراف بدولة فلسطين، وتهديد أخرى بذلك مثل فرنسا.

ليس هذا وحسب، بل عادت القضية إلى تملك أفئدة العرب والمسلمين؛ فها هو شابٌ سوداني ينفذ عملية طعن بطولية في عسقلان جنوبي أراضي الاحتلال.

ولم تكتفِ المرأةُ الفلسطينيةُ بإنجاب الأبطال منفذي العمليات؛ بل قامت هي نفسها تطعن وتواجه الاحتلال بالسكين؛ ولنا في هديل الهشلمون وأخواتها عرائس الفردوس مثالٌ، ولعل طبيعة تلك المرأة الفلسطينية المجاهدة تستحق كثيرًا من الوقوف والتحليل، وإن كان هذا ليس بجديد عليها.

لم يكن مخطط تقسيم الأقصى وليد اللحظة، ولم يكن عبثًا، ولم يكن وحيدًا؛ بل هو استغلال لحالة الخيانة تارة والطناش تارة التي تمارسها كثير من الأنظمة العربية في تعاملها مع القضية الفلسطينية؛ فسعت إسرائيل في الفترة من 2014 : 2016 إلى الوصول إلى هدفين ثمينين جدًّا أحدهما طبعًا ما يتعلق بالأقصى، والأول كان هو القضاء على فصائل المقاومة في غزّة، وتسليم القطاع ومسئوليته لسلطة عبّاس ولكن جهاد ووعي الشعب الفلسطيني سواء في غزة أو بالضفة والقدس هو ما أجهض تلك المخططات الشيطانية التي تتم برعاية كثير من الأنظمة العربية مع الآسف. فضع أمامك المخططين، وتخيل الساحة الفلسطينية إذا ما نجحوا لا قدر الله لتفهم وتدرك حجم ما أنجزه الشعب الفلسطيني وحجم التضحية.

وعلى صعيد آخر، يبدو أنّ القوى الغربية قد حددت أطر ومساحات عمل النظام السعودي، وهي أن لا تقترب المملكة من القضية الفلسطينية من قريب ولا من بعيد، وتكتفي بالعمل المرسوم في مناطق تهديد المملكة المباشرة؛ اليمن وسوريا؛ فكان متوقعًا من المملكة على الأقل بعد رحيل حكم الملك عبد الله واستبداله بالملك سلمان أن تساعد في حل بعض المشاكل التي تسبب معاناة جمة لأهلنا بفلسطين؛ كالضغط على النظام المصري لفتح معبر رفح مددًا أطول، أو حل مشكلة الكهرباء بغزّة، ولكن يبدو أنّ دعم الجيش اللبناني الذي يحركه حزب الله بالمليارات كان أكثر أهمية من دعم وتخفيف معاناة أهلنا بفلسطين. لم يتغير الأمر كثيرًا من الملك عبد الله إلى الملك سلمان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

القدس, فلسطين

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد