لقد اعتبر عدد الحاضرين والغائبين في القمة العادية السابعة والعشرين لجامعة الدول العربية التي انعقدت بالعاصمة الموريتانية نواكشوط، من 25 إلى 27 يوليو 2016، وبيانها وتوصياتها الختامية، مؤشرا قويا، ومقياسا دالا، بالنسبة للملاحظين للشؤون العربية والمنطقة العربية عموما على حالة الانشقاق والانشطار الحادين؛ واللذين يقوضان اجتماع العرب، ووحدة كلمتهم، كما أمكن قراءة ذلك من قبل من خلال رسالة اعتذار المغرب عن استضافة القمة يومي 29 و30 مارس الماضي؛  بسبب التحديات التي يواجهها العالم العربي اليوم، حيث إن القمة العربية كما ذكر بيان وزارة الخارجية المغربية لا يمكن أن تشكل غاية في حد ذاتها، أو أن تتحول إلى مجرد اجتماع مناسباتي، وقد أكد المغرب «أن الظروف الموضوعية لا تتوفر لعقد قمة عربية ناجحة، قادرة على اتخاذ قرارات في مستوى ما يقتضيه الوضع، وتستجيب لتطلعات الشعوب العربية» .

لكن سؤال الأسئلة الذي يطرح في هذا السياق، لماذا كانت القمم العربية تنعقد بصعوبة أقل مما هو عليه الوضع الآن؟

لماذا كانت سلوكات العدو الصهيوني الرعناء في القدس، وضد أبناء فلسطين تعجل بلقاء العرب في مؤتمرات القمم، والتي كانت غالبا ما تنتهي بإعلان شجب ممارسات العدو الإسرائيلي وإدانة احتلاله الأراضي الفلسطينية، في حين غدا اليوم صعبا اجتماع كلمتهم بشأن عدد كبير من القضايا الملتهبة، لا سيما في الشرق الأوسط؟

جوابا عن هذا السؤال/ الإشكال، لا بد للباحث من التوقف عند النفوذ الإيراني في المنطقة العربية، وتأثيراته القوية والعميقة في مجريات الأمور.

إيران الآن، لا سيما بعد نجاحها في المفاوضات الشاقة حول الملف النووي مع القوى الكبرى؛ حيث اعتبرت نفسها منتصرة، بعدما جنبت نفسها ويلات هجمة جوية مدمرة، وقصف أمريكي عنيف ضد منشآتها الإستراتيجية؛ ظلت إسرائيل تلح عليه إلحاحا، وبعدما أزاحت أمريكا خصم إيران اللدود صدام حسين خلال الغزو غير القانوني للعراق وتدمير حضارته وشعبه؛ من قبل أمريكا وبريطانيا عبر بوش الابن وتوني بلير، أصبحت إيران أقوى دولة في المنطقة تحيط بالدول العربية، فقد مكنها حلفاؤها الشيعة في العراق بعد إسقاط حزب البعث من أن تصبح رقما يحسب له الحساب في بلاد الرافدين، فهي تتدخل بفيالقها ومستشاريها العسكريين من أجل دحر الرافضين للمد الشيعي وميليشياته المتعصبة والطائفية في المناطق السنية، وهي تتدخل أيضا تحت غطاء الحرب ضد الإرهاب خاصة تنظيم الدولة الإسلامية؛ الذي أعلن تمرده على السلطة في بغداد واحتل مدنا بكاملها.

وقد مكنت الحرب الأهلية المشتعلة في سوريا، إيران من موطن قدم آخر في الشام، حيث آزرها حليفها حزب الله ذراعها العسكري والمذهبي في لبنان، حيث تضطلع إيران هناك بإفشال انتخاب رئيس الجمهورية إلى الآن بواسطة حزب لله.

وها هي إيران، ولأول مرة، وعلى الرغم من منع دستورها إتاحة أراضيها لقوى خارجية، تسمح بفتح قواعدها العسكرية، للدب الروسي من أجل قصف داعش في سوريا؛ حيث أعلنت وزارة الدفاع الروسية في بيان أن قاذفات قنابل طويلة المدى من طراز تو-22ام3، وقاذفات حدودية من طراز سو-34 بشحنة قنابل كاملة «أقلعت اليوم الموافق 16 اغسطس 2016 من همدان في جمهورية إيران الإسلامية وشنت مجموعة من الضربات الجوية ضد أهداف لتنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة الإرهابيتين في محافظات حلب ودير الزور وإدلب».

إيران لم تكتف بذلك، بل أعلنت دعمها ومساندتها للحوثيين في اليمن؛ والذين يشكلون مخاطر متزايدة على الأمن الإقليمي الخليجي وعلى المملكة العربية السعودية خاصة، ناهيك عن مؤازرتها لشيعة البحرين الذين ينظمون باستمرار مظاهرات ضد الدولة.

وقد أبانت عاصفة الحزم التي تزعمتها المملكة العربية السعودية دفاعا عن الشرعية المنقلب عليها من لدن الحوثيين والرئيس اليمني المخلوع عن حجم الشرخ الموجود بالعالم العربي بين الدول التي تحمست للمشاركة في الحملة العسكرية، والدول العربية التي امتنعت عن الدخول تحت لواء العاصفة.

إن تحفظ لبنان والعراق،  على قرار وزراء الداخلية العرب في اجتماعهم  الثالث والثلاثين بتونس يوم 2 مارس 2016، والذي اعتبر «حزب الله» منظمة إرهابية ، حيث أعرب مجلس وزراء الداخلية العرب في بيانه الختامي عن:  «إدانته وشجبه للممارسات والأعمال الخطرة التي يقوم بها حزب الله الإرهابي لزعزعة الأمن والسلم الاجتماعي في بعض الدول العربية».، دليل قاطع على الانقسام الذي بات يشهده الصف العربي؛ بسبب تعاظم النفوذ الإيراني في المنطقة العربية، والذي استطاع أن يصنع حلفاء له من داخل الجوار الاقليمي العربي.

كما أننا لا نستغرب كثيرا، حين نجد بيان مجلس وزراء الداخلية العرب، قد ندد بإيران أولا قبل إدانته سلوكيات حزب الله من خلال:

«شجبه واستنكاره الشديد للممارسات الإيرانية الهادفة إلى زعزعة الأمن والاستقرار في مملكة البحرين والعديد من الدول العربية، وتقويض التعايش السلمي بين مكونات المجتمعات العربية بالتجييش الطائفي وإثارة النعرات المذهبية».

ولعل ما يؤكد قدرة إيران على زعزعة تماسك الموقف العربي، توارد أنباء عن امتناع الجزائر في مجلس الوزراء العرب المذكور، عن التصويت على قرار تصنيف حزب الله منظمة إٍرهابية، وما راج أيضا في الكواليس،  عن تحفظ تونس على هذا الأمر.

إن تزايد الحضور الإيرني في سوريا والعراق ولبنان واليمن، وتنسيق الجمهورية الإسلامية الوثيق مع الروس في ما أصبح يسمى الحرب العالمية ضد الإرهاب، ونجاحها في حل الملف النووي والتطبيع مع الغرب والولايات المتحدة الأمريكية خاصة، كل ذلك يجعل الدول العربية في منأى عن أرضية مشتركة للتوافق على حل القضايا العالقة في الوطن العربي، ولا أدل على ذلك من نتائج قمة نواكشوط بموريتانيا التي انعقدت مؤخرا؛ دون القدرة على الحسم في المشاكل الخطيرة والنزاعات المسلحة التي تفتك ببعض الدول العربية، فالقمة لم تستطع أن تحقق الإجماع حول المسألة السورية، والأمر نفسه بالنسبة لمعضلة انتخاب الرئيس بلبنان، ناهيك عن الحرب الأهلية في اليمن.

لا أتصور  أن النفوذ الإيراني في المنطقة العربية سيتراجع أو ينحسر في الشهور القليلة القادمة، وهو ما سيضخم الانقسامات العربية لا سيما بين الدول العربية التي تربطها علاقات متينة وتاريخية بالجمهورية الإسلامية، وتلك الدول التي أصبحت تحس بالمخاطر المتزايدة جراء تعاظم النفوذ الإيراني في دول المحيط الاقليمي العربي، لكني أظن أن حل النزاعات الكبرى في المنطقة العربية لا سيما في البؤر المشتعلة والمتوترة، مثل سوريا واليمن، هو الكفيل بقص ذيل التوسعات الإيرانية وأطماعها في عالمنا العربي، غير أن إمساك القوى العظمى؛ مثل روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، بزمام النزاعات في سوريا والعراق خاصة، لا يشجعنا على التفاؤل بمستقبل الحلول التي سيتم فرضها على المتنازعين، وبكون تلك الحلول ستكون في خدمة الوحدة العربية ولم الصف العربي، الذي لا يبدو أنه من أولويات الدول المدافعة عن مصالحها الحيوية في الشرق الأوسط والمنطقة العربية عموما.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إيران
عرض التعليقات
تحميل المزيد