صدر كتاب (الهجرة كيف تؤثر في عالمنا؟) تأليف: بول كوليير ترجمة مصطفى ناصر، ضمن سلسلة عالم المعرفة التي تصدر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – الكويت العدد 439 أغسطس (آب) 2016.

يسعى الكتاب إلى الإجابة عن ثلاثة تساؤلات مهمة: ما الذي يؤثر في قرارت المهاجرين؟ كيف تؤثر الهجرة في الذين يبقون في الوطن؟ كيف تؤثر في السكان الأصليين للبلدان المضيفة؟ ويرى مؤلف الكتاب أنه مهما اختلفت الاتجاهات فلابد من العمل مع الهجرة كمسألة اخلاقية، ويتساءل لكن من أي منظور أخلاقي ينبغي الحكم على تأثيرات الهجرة؟ ويجيب عن تساؤلاته: الاقتصاديون لديهم وسيلة جاهزة للحكم تتمثل في مذهب المنفعة، أما ضمن إطار أخلاقيات التعامل مع الهجرة فيبدو هذا المعيار مع الأسف عاجزًا عن أداء الدور المطلوب في الوقت الراهن.

جاء الكتاب في خمسة أجزاء: الجزء الأول تساؤلات عن الهجرة وسياقات التعامل معها.

الجزء الثاني: البلدان المضيفة.. ترحيب أو امتعاض؟

الجزء الثالث: المهاجرون.. تذمر أو امتنان؟

الجزء الرابع: الذين بقوا في بلادهم.

الجزء الخامس: إعادة النظر في سياسات الهجرة.

يقول المؤلف في الجزء الأول من الكتاب (تساؤلات عن الهجرة وسياقات التعامل معها – الفصل الأول – الهجرة مسألة محظورة):

كثيرًا ما تختلط المواقف الأخلاقية حول الهجرة على نحو مربك مع مواقف أخرى عن الفقر، والقومية، والعنصرية. تتشكل المفاهيم الحالية عن حقوق المهاجرين من خلال ردود أفعال ربما تتضمن الندم على أخطاء سابقة. لا مجال لنقاش عقلاني حول سياسة التعامل مع الهجرة إلا بعد فك الارتباط بين هذه المسائل المتشابكة.

يواصل بول كوليير قوله: يبدوا أن هناك التزامًا أخلاقيا بتقديم يد العون للفقراء الذين يعيشون في بلدان أخرى، والسماح للبعض منهم بالانتقال إلى بلدان غنية كإحدى طرق المساعدة. بيد أن الالتزام بمساعدة الفقراء لا يعني بالضرورة السماح بحرية الانتقال التامة عبر الحدود. في الواقع أولئك الذين يعتقدون أن الفقراء ينبغي أن يكونوا أحرارًا في الانتقال متى شاءوا إلى بلدان غنية يمكن أن يكونوا أول المعارضين لحق الاغنياء في الانتقال إلى بلدان فقيرة، فالأمر لا يخلو من أصداء نزعة استعمارية بغيضة إذا قلنا إن للفقراء الحق في الهجرة إلى أي مكان، فهذا يتضمن خلطًا بين مسألتين من الأفضل أن تبقى كل واحدة منفصلة عن الأخرى: التزام الاغنياء بمساعدة الفقراء، وحق حرية الانتقال بين البلدان. تأييدنا للمسألة الأولى لا يعني الالتزام بتطبيق الأخرى. هناك طرق كثيرة يمكن أن ننفذ بها التزامنا الأخلاقي بمساعدة الفقراء، إذا قرر مجتمع ما عدم فتح أبوابه لاستقبال مهاجرين من بلدان فقيرة، فربما يختار طرقًا أخرى أكثر سماحة في التعامل مع المجتمعات الفقيرة ضمن مجالات متعددة. على سبيل المثال فرضت حكومة النرويج قيودًا صارمة نسبيًا على الهجرة إلى أراضيها، لكنها في الوقت نفسه تبنت برنامج مساعدات يمتاز بالسخاء في مقابل ذلك.

يضيف بول كوليير في الوقت الذي تختلط فيه أحيانًا معاني الالتزام الأخلاقي بمساعدة فقراء العالم مع وجهات نظر أخرى عن حق الهجرة، هنالك خلط آخر أكثر خطورة يتعلق بالنفور من النزعة القومية (من الذي ينفر من القومية ولماذا؟ كاتب المقال). بينما لا تتضمن النزعة القومية بالضرورة تأييد فرض قيود متزمتة على الهجرة فمن الواضح أنه من دون وجود إحساس بالقومية لن يكون ثمة أساس لفرض مثل هذه القيود. إذا كان الناس الذين يعيشون في إقليم معين لا يتشاركون في أي شكل من أشكال الانتماء لهوية وطنية مشتركة بشكل أكبر من تعاطفهم مع الأجانب، فسوف يكون من العبث التوصل إلى اتفاق جماعي على تحديد سبل دخول الأجانب، لن يكون هناك نحن، ولا هم، إذًا دون وجود نزعة قومية من الصعب التفكير في أخلاقيات القيود التي تفرض على الهجرة.

ويتابع: يؤدي الإحساس بالهوية المشتركة أيضًا إلى تهيئة الناس فكريًا لتقبل إعادة توزيع الثروة بين الأغنياء والفقراء، وإلى ضرورة التشارك بالثروات الطبيعية. وربما يؤدي النفور من الهوية الوطنية ورفضها إلى عواقب وخيمة، فقد يؤدي إلى إضعاف التعاون والمساوة في المجتمع، لكن على الرغم من كل هذه المزايا، ربما يكون من الضروري التخلي عن الهوية الوطنية. (لكن كيف ولماذ؟ كاتب المقال).

يقول كوليير: إذا كان الإحساس الوطني المفرط يقود في عناد وإصرار إلى العدوان، عندئذ يجب أن نتقبل تكاليف التخلي عنه بكل تأكيد.

لكن أيضًا كيف، وهل هذا سهل اليوم في ظل النمو السريع للشعبويين في أوروبا؟

إلى أن يقول في الصفحة رقم 48 من الكتاب البالغ عدد صفحاته 299 صفحة: وهو في رأيي يعتبر الأخطر من وجهة نظر الكثيرين، ومصدر الخوف الآن في أوروبا، وقد يكون في أي مكان في العالم حسب الظروف والصراع الحقيقي، أو المتخيل: تؤدي الهجرة إلى ظهور تجمعات من المهاجرين المستقرين في المهجر أو مايعرف بالشتات” ويشجع وجود الشتات على الهجرة. كيف؟

يخلق التفاعل بين فجوة الدخل والشتات ديناميكية مذهلة : تدفق الهجرة على مدى اتساع الفجوة وعلى أعداد المهاجرين السابقين. ومع تراكم هذه الأعداد يزداد التدفق، بحيث تتصاعد الهجرة ضمن فجوة محددة. يبحث الاقتصاديون دائمًا عن حالة توازن.، نقطة تتوازن فيها القوى المقابلة بحيث تكون المنظومة في حالة استقرار. يمكن أن تكون منظومة الهجرة في حالة استقرار بإحدى طريقتين: أن يبقى معدل الهجرة على حاله فلا يتصاعد، أو على نحو أدق في حالة مستقرة، أو ربما يتوقف تدفق البشر بين البلدان. هل تؤدي عملية التفاعل البسيطة هذه بين فجوة الدخل والشتات إلى نوع من التوازن بين الكفتين؟

هنا يطرح المؤلف سؤالًا مهمًا: (لماذا لا نحتاج إلى التوازن)؟

عند فجوة دخل محددة يمكن أن تتوقف الهجرة عن التصاعد فقط إذا توقف الشتات عن النمو. ما دامت الهجرة تضيف باستمرار إلى الشتات، فهي تتوقف عن النمو فقط إذا كان هناك نوع من الاختزال أو التعويض الذي يقلل من حجم الشتات. من السهل أن نستوعب مفهوم الشتات، غير أنه من الصعوبة قياسه.

يعجبني تحليل كوليير في قوله: من الناحية النموذجية تعتمد وسائل القياس على بعض المؤشرات مثل عدد الناس الذين يقيمون في بلد معين ولم يولدوا فيه. غير أن المفهوم الثابت للشتات لا يعرف بمكان الولادة، بل بالسلوك.

الشيء الأساسي لقياس معدل الهجرة هو عدد الناس الذين لهم علاقة من قريب أو بعيد بالمهاجرين الجدد الذين يبدون مستعدين لتقديم المساعدة لهم. بهذا المعنى، فإن معدل الخروج من الشتات لا يعتمد على معدلات الوفيات بين المهاجرين، بل على انتقال الثقافة والالتزامات. إنني شخصيًا حفيد لأحد المهاجرين، غير أنني عديم النفع تمامًا لأي مهاجرين سبق أن جاءوا إلى بريطانيا من إيرنسباخ. وعلى الرغم من أنني رجعت ذات مرة إلى القرية الجميلة التي رحل منها جدي فإنه لا توجد أي روابط لي مع سكانها أو مع أشخاص آخرين من أصول ألمانية يعيشون في بريطانيا، لست جزءًا من الشتات. بيد أن هناك بعض الأحفاد لمهاجرين آخرين ينتمون فعلًا إلى الشتات بهذا المعنى.

ويكشف أن أغلب المجتمعات لا تبدو حدود الشتات واضحة المعالم: الكثير من الناس يضعون قدمًا في ماضيهم الذي هجروه، وقدمًا أخرى في مستقبل يمضي مع الاتجاه السائد في المجتمع.

تتخذ عملية التحول أشكالًا مختلفة. ربما يفقد أحد المهاجرين ببساطة سبل التواصل مع مجتمعه الذي تركه أو يفقد الاهتمام به. ربما يعيد طفل من أطفال المهاجرين تعريف هويته، فيعتبر نفسه فردًا من أفراد المجتمع المضيف، مثلما فعل والدي أو بمرور الزمن، ربما يصبح كل جيل متعاقب من الأفراد الذين ينحدرون في الأصل من عائلات مهاجرة بعيدًا عن الناحية السيكلوجية عن البلد الذي ينتمي إليه.

ربما يكون الأخطر من وجهة نظر الكثيرين قول المؤلف في الصفحة 50 يعتبر حجم الشتات عنصرًا مهمًا لأنه كلما زادت علاقات التعامل بين الشتات والسكان الأصليين، فإنه من المحتمل أكثر أن يندمج هؤلاء في المجتمع. غير أنه في الوقت الذي تحصل فيه بعض أشكال تعامل الشتات مع السكان الأصليين، فإن البعض الآخر منها يحدث مع أفراد آخرين من الشتات أنفسهم. كلما زاد حجم الشتات بالقياس إلى السكان الأصليين، انخفضت نسبة تعاملهم مع السكان الأصليين.

انني أرى أن الوضع هنا خطر على السكان الأصليين!

لكن كيف سيكون الوضع في البلاد النامية التي تعاني من اعداد كبيرة من المهاجرين، بلاد أصلًا تفتقد إلى مالية جيدة ويشكل المهاجرون إليها ضغطًا على الخدمات المتواضعة ويشاركون السكان الأصليين موارد رزقهم؟

وهل تصل الأموال التي تدفع من المانحين إلى المجتمعات المضيفة المتضررة؟ أم أن السلطات السياسية تستولي عليها؟

وحسب مؤسسة DW الإعلامية الألمانية فإن الكثير من الحكومات التي يسيطر عليها الشعبويون اليمينيون لم تعد تنظر إلى هذه المسألة من هذه الزاوية، كما يعتقد شتيفان لينه، خبير الشؤون ألأوروبية الذي قال: عجز الاتحاد الأوروبي عن تجاوز الموضوع أدى إلى إضفاء طابع الوطنية. فغالبية الشعبويين وغالبية الأحزاب المناهضة للمهاجرين هي أيضًا مناهضة للاتحاد الأوروبي. ولذلك يتم اللجوء باستمرار إلى إجراءات وطنية وإلى مراقبة الحدود وبناء الحواجز وتحديد سقف أعلى. ومحاولات التقدم في هذا المجال على المستوى الأوروبي باتت في هذه الأجواء السياسية صعبة جدًا.

يأخذ الكثير من المتابعين على الفرنسيس أنهم لا يعترفون بالإنجازات التي يحققها المهاجرون باسم فرنسا، وشاعت عبارة أفريقيا هي التي فازت بكأس العالم، حيث انزعج العديد من الفرنسيين منها، وذلك بعد فوز منتخبهم بكأس العالم الأخيرة في روسيا 2018.

وانطلاق العبارة في وسائل الإعلام العالمية، وفي وسائل التواصل الاجتماعي، وفي الأوساط الرياضية، والسياسية، وروج لها اليمين الفرنسي. لكن هل فعلًا الفرنسيون لا يعترفون بفضل وإنجازات المهاجرين؟

وشاهد آخر يساق هنا، وهو هجومهم على زين الدين زيدان، وعدم اعترافهم بجهوده في إنجاز مونديال 1998! وتحميله خسارة مونديال 2006؟

وبعد انتهاء مونديال روسيا اعتزل اللاعب مسعود أوزويل اللعب الدولي مع المنتخب الألماني لكرة القدم، بعد أن صرح بأنه قد انتابه شعور بالعنصرية، وعدم الاحترام على حد تعبيره. حسبما أوردت وسائل إعلام، وتابع اللاعب الألماني ذو الأصول التركية بأنه أحس بأنه أصبح ككبش الفداء لإخفاق منتخب الماكينات في مونديال روسيا 2018.

وقد تعرض أوزيل إلى انتقادات لاذعة، قبل انطلاقة المنافسة الأشهر، عندما التطقت له الكاميرات صورة، وهو يهدي الرئيس التركي رجب طيب أوردغان قميصه الرياضي. وقد شعر أوزيل بيأس مرير، وأرسل كلمته التي أصبحت قولًا مأثورًا:
عندما نفوز فنحن ألمان، وعندما نخسر فنحن مهاجرون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب الهجرة كيف تؤثر في عالمنا ؟ تأليف : بول كوليير ، ترجمة : مصطفى ناصر _ سلسلة عالم المعرفة _ الكويت 2016م
عرض التعليقات
تحميل المزيد