لا تخلو الحياة من أكدار، كما لا تخلو من مصائب ومنغصات، فما زال الإنسان منذ بزغت فجر البشرية على هذه الدنيا وهو بين فقد حبيب، وابتعاد عزيز، ونأي صاحب، وخسارة في المال، أو انتكاسة في الصحة، والناس في تقبُّل هذه الوقائع وفي تجرُّع هذه المرارات متفاوتون!

والإنسان مع تطوُّر التكنولوجيا وسيطرته على مقدَّرات الأرض وحيازته للتقنية في كل المجالات إلا إنه يظهر عجزه يومًا بعد يوم عن الحدِّ من نسب الانتحار والاكتئاب والأمراض النفسية التي تتزايد يومًا بعد آخر، بل يمكننا القول: إن الإنسان في القرن الحادي والعشرين يزداد شعوره بالكآبة والوحدة وضعف الاندماج في المجتمع بالتزامن مع مستوى رفاهية أعلى من مستويات الرفاهية في العصور السابقة.

الأسباب:

أولًا: الحياة السهلة:

الراحة والفراغ، والدعة والكسل بوَّابة لكثير من الأمراض النفسية، فإنما تتزايد على الإنسان الوساوس والشكوك والظنون والمشاعر السلبية في أوقات الفراغ، وقد قيل: إن الانهماك في العمل هو أرخص الأدوية في السوق وأكثر فاعلية!

وإن مصطلح الفراغ في الأبحاث النفسية يتعدَّى المفهوم التقليدي المنحصر بقلة الأشغال والأعمال، بل يتعدَّى ذلك إلى مسألة الفراغ الروحي والعاطفي، فالإنسان في العصر الحديث صار أقرب للمادية وللتفسير المادي للأشياء، وأصبح أكثر بعدًا عن المعاني الروحية للأديان التي تشتمل على الصبر واليقين والتوكل، كما أن الحياة الأسرية المفككة التي يعيشها معظم الأطفال في العالم أدَّت لحدوث فراغ عاطفيٍّ كبير يدفع ضريبته الأطفال عندما يكبرون، فالشباب اليوم أكثر انفعالًا وأكثر غضبًا وأقل صبرًا، وبتنا نلاحظ أن العلاقات الإنسانية بدأت تضعف، وصارت أكثر سطحية، وأقرب للنفعية مما سبق!

ثانيًا: صعوبة الاندماج:

صعوبة التكيف أو الاندماج ليست مقتصرة على اللاجئين والمهجَّرين كما يظن كثير من الناس، ولكن الأمر يتعدَّى ليشمل كل أطياف المجتمع، فالطفل قد يعاني من صعوبة الاندماج مع أصدقائه في المدرسة لأسباب عديدة (كالعيوب في الشكل، أو ضعف الشخصية، أو التأخر الدراسي)، أو الشاب مع زملائه في العمل أو مع أقاربه أو محيطه الاجتماعي، وغالبًا ما يظهر ذلك على شكل انطوائية مفرطة ونفور عن المجتمع، أو عدائية وكره أحيانًا، أو إلى نرجسية ومحاولة لتلميع الذات وإظهارها بأي صورة تحت أي مسمى، بالإضافة إلى الاضطرابات الفصامية التي بتنا نشاهدها بكثرة، وهم أولئك الذين يتبنون عقائد فلسفية وأفكارًا غريبة وسلوكيات غير مألوفة ليلفتوا الأنظار إليهم بأي ثمن.

ثالثًا: الكوارث والمصائب:

يتدرج الشعور في المصائب في الحالة النفسية للمصاب، فهو يفقد شعوره بالأمان ويشعر بعدم السيطرة على الأحداث، وتتزعزع الثوابت بالنسبة له، ويفقد تقديره لذاته، ثم تتدرج فيه الأمور إلى الشعور بعدم الجدوى من الحياة!

رابعًا: التكنولوجيا:

أصبحت التكنولوجيا جزءًا أساسيًا من حياة كل واحد منا لا يمكن الاستغناء عنه، وصار من المألوف في أي تجمع للأصدقاء أو الأقرباء أن ترى جُلّ من فيه ممسكًا جهازه الخليويَّ، فأصبح كثير من الناس يعيش حياتين أو أكثر بين العالم الافتراضي وبين الواقع الحاليّ، وإن العالم الافتراضي يتيح للإنسان أن يكون له عدَّة شخصيَّات دون أن يظهر ذلك للمتلقِّي، كما أن مواقع التواصل الاجتماعي وغرف الدردشة وغيرها زادت الأمر سوءًا، وانتشر ما بات يسمى اليوم بالهوس بالإنترنت وبالألعاب، وصارت تظهر لنا بوضوح مشاكل انفصام الشخصية والنرجسية وغيرها على اليوتيوبرز اليوم ومن يتابعهم!

ختامًا:

إن جهود العلماء والباحثين اليوم تتجه باتجاه التطور العلميّ والتكنولوجي، ومن المؤسف أن الحروب والكوارث والأمراض النفسية تزداد بالتزامن مع التطوُّر التكنولوجي، وهذا يضع مزيدًا من العبء على المصلحين الاجتماعيين، والمرشدين النفسيين، والمربيِّن ووسائل الإعلام لبذل الجهود وتطبيق البرامج التي تعطي المزيد من الأولوية للإنسان بوصفه إنسانًا لديه الكثير من المشاعر والأحاسيس والأفكار والمعتقدات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد