في نهايات ديسيمبر الباردة، اشتعلت نيران بيوتنا بوقود تونسيّ بحت، وقتها – أقول حرفيًا – لم ندرك أننا سنحتمل رماد هذه النيران سنين طوالًا عجافًا، ولربما سيبقى هذا الرماد ملازمًا لنا بقية العمر، والأعظم أننا في غالب الظن اعتدنا عليه برائحته وسوداويته.

الأخبار هنا وهناك، شاب تونسي عشريني يضرم النار في نفسه احتجاجًا على سلطات بلاده، أي خبر هذا بل وأية جرأة تلك؟ هذه الجرأة التي لم نعهدها في جيلنا وعصرنا ولم نتوقعها يومًا بل ولم تكن في الحُسبان أبدًا.

تتوالى الأيام والأخبار في ازدياد، ما ظنناه سيهدأ عقب انشعاله لم يهدأ، والذي ظنناه عابرًا، سطّر تاريخًا عميقًا لمرحلة عجيبة كل العجب التي وإن صح التعبير يمكننا أن نعتبرها الأكثر جدلًا على الإطلاق.

شعب هائج وشبان تموت وضحايا لا تحصى ولا تعد. شعارات «ارحل» هنا وهناك ما أن قلّبت عنها سترى المظاهرات التي تندد بإسقاط الأنظمة والسياسات، لنجلي الموقف كله تحت مسمى «الثورات».

كنت لم أتجاوز الثانية عشرة من عمري حينها، ولكن أشهد أن كل ما حصل كان له أثر كبير في نفسي، كل ما كنت أسمعه في المنزل من حديث الأهل والأصدقاء أحاول قدر الإمكان تجميعه وفهمه والأدهى أنني وكطفلة صغيرة كنت قدر الإمكان أحاول الظهور بالحديث عنه وكأن السياسة هي انشغالي الأول والأكبر بل والأخير أيضًا. وكيف لا يحدث أثر؟ والثورة حديث الساعة وكل ساعة، لأكاد أجزم أن في كل زيارة لنا كان الحديث عنها، وفي كل خروجة لنا كانت هي وحدها محور الكلام. متيقنة كل التيقن أن هذا الأمر لم يكن بالأمر الشخصي بتاتًا، بل كان هذا ما يحصل وما يحدث في كل بيت عربي بل في كل زاوية من زوايا شرقنا الأوسط.

ما أن نجحت الأولى إلا واندلعت الأخرى، مصر تثور، بلد الملايين وبلد الحضارة تثور. مطالبات الحرية، شكاوى البطالة، ومعضلة الفقر المدقع. مصر تثور والتحرير لا يهدأ. تتبعها ثورة أخرى في اليمن وغيرها في ليبيا والعداد قائم متسارع ومخيف، لننتهي بالثورة الأكبر، ثورة القتلى والمجازر، ثورة التشريد والمذابح، ثورة الياسمين الأحمر وثورة التناقضات والأزمات.

عندما أقف على كل ما حصل وأستنكر هذا الربيع بثوراته سَأُتهم بعشقي للعبودية فالأكل والأمن همي الأول وكأنني بهيمة إنسانية.

ربما لم أكن ضد الربيع العربي في بدايته، أقرّ بذلك. لكن بتفكير منطقي وعقلاني أطرح السؤال مرة أخرى؟ هل نجح الربيع العربي فعلًا؟ بل وماذا خلّف؟ أخلّف الزهور والورود أم أنه خلّف من القتل والتشريد ما تستعصي قدراتنا على حصره؟

فلنتفق أن الربيع العربي كان خريفنا الأعظم، وأن هذا الخريف بحاجة إلى ربيع آخر صادق بعيد عن سياسات الذئاب وبعيد عن اتحاداتهم وأنيابهم، ربيع بعيد كل البعد عن تعصباتنا واتجاهاتنا، نحن بحاجة إلى ربيع آخر نقي، نقي كل النقاء، فقط لننظف مخلّفات خريفنا ذاك.

ولكن، أما آن له أن يأتي؟ أما آن لنا أن ننهض؟ أما آن لنا نحن أن نتخلص من كل عرق عنصري ونفكر ولو لمرة واحدة بأن ننقذ ما تبقى من الوطن؟ أما آن لنا أن نثور من أجل كل شهيد وهب دمه حبرًا ليسطر تاريخًا جديدًا لوطنه ملؤه الحرية، لينتهي الآخر بمجاعات واتفاقيات وحكومات عسكرية؟ أما آن؟ واللهِ آن.

براغيث الفتنة انتشرت والموت الأسود توغّل، ولا منجى لنا من أعراضه الطاعونية إلا بأن ننسى كل نزعاتنا وانقساماتنا وكل ما أملوه علينا من اختلافات وهمية، دينية كانت وعقائدية، ونفكر ولو لمرة واحدة أن نجمل إيماننا ونكمله ونزينه بحبنا لأوطاننا.

أقول إن في ديسمبر ذاك انتهت أحلام الكثير. وأقول أيضًا إنني لم أؤمن يومًا بأن ديسمبر مقبرة الأحلام. وأقول أخيرًا إن ما دام هنالك ينايرٌ قادم فهنالك أحلام وطموحات وأيام أجمل وأعنف وأعمق.

«يناير الحرية» قادم قادم قادم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد