ساهمت الحركات النقابية العمالية والمنظمات الدولية التي تعمل في مجال حقوق العمال على إدراج العمل اللائق في الأجندة العالمية للتنمية المستدامة 2030، وبالفعل تم اعتماد الهدف الثامن من أهداف التنمية المستدامة، والذي يهدف إلى تعزيز النمو الاقتصادي الشامل والمستدام والعمالة وتوفير العمل اللائق للجميع، وبالرغم من كل الجهود المبذولة في سبيل تعزيز حقوق العمال، إلا أن عمال مصر ما زالوا يعانون من عملية تزاوج الفساد مع القمع والتي تسببت في الإجهاض على الكثير من حقوقهم.

 

فعلى الرغم من أن الدستور المصرى أفرد مادتين للإضراب والتظاهرات، أولاهما المادة رقم 15 التي نصت على أن الإضراب السلمى حق ينظمه القانون، وثانيهما: المادة 73 التي تقول: «للمواطنين حق تنظيم الإضراب والاجتماعات العامة، والمواكب والتظاهرات، وجميع أشكال الاحتجاجات السلمية، غير حاملين سلاحا من أي نوع، بإخطار على النحو الذى ينظمه القانون، وحق الاجتماع الخاص سلميًا مكفول دون الحاجة إلى إخطار سابق، ولا یجوز لرجال الأمن حضوره، أو مراقبته، أو التنصت عليها، إلا أن تلك النصوص لم تجد لها حظًا من التطبيق وأصبحت الضمانات التي توفرها للعمال بمثابة نصوص مكتوبة لا تعرف للواقع طريق في ظل العمل بقوانين التظاهر والطوارئ والإرهاب والتعامل الأمني القمعي مع أي بوادر تحركات عمالية.

 

وبالرغم من كل ما واجهه العمال من قيود وتحديات غير مسبوقة عمدت للحول دون خروجهم للاحتجاج أو التعبير عن مطالبهم بالسبل الاحتجاجية، لكن قاطرة الاحتجاجات العمالية لم تتوقف!  فبطقًا لمؤشر الديمقراطية، فإن المؤشر رصد 299 احتجاجًا خرجت للمطالبة بحقوق القوى العاملة المصرية خلال الفترة من أول مايو (أيار) 2017، وحتى نهاية أبريل (نيسان) 2018، ولكن السلطة كانت بالمرصاد لهذه الاحتجاجات، فطبقًا للمؤشر تعرض العمال المحتجون لإحدى عشرة حالة فض لاحتجاجاتهم بالقوة الأمنية التي استهدفت الإضرابات في معظمها، كما قبضت قوات الأمن على أكثر من 95 عاملًا ونقابية، بينما تعرض العمال والنقابيين للعديد من التهديدات الأمنية وكذلك شاركت مختلف الجهات الأمنية في القبض عليهم والتحقيق معهم ، كما تعرض 186 عاملًا للمحاكمات والتحقيقات لأسباب تتعلق باحتجاجاتهم أو حتى محاولتهم الاحتجاج، بشكل عكس سياسة العداء التي انتهجها أصحاب الأعمال والمؤسسات التنفيذية ضد الحراك العمالي، فيما حكم على العشرات من العمال بأحكام تتراوح من شهر إلى ثلاث سنوات، بالإضافة للعزل الوظيفي والغرامة، في حين تعرض 147 عامل/ة للفصل والنقل والوقف من أعمالهم لأسباب تتعلق بالاحتجاج والتظاهر السلمي.

 

اما عن الفساد، فقد بدا عائقًا كبيرًا أمام حصول العمال على حقوقهم في السنوات الأخيرة فقد العمال أبسط حقوقهم في الحصول على أجر عادل وفقد عشرات العمال وظائفهم أصلًا بسبب الخسائر الكبيرة التي تكبدتها شركات القطاع العام، والتي ترجع إلى انتشار الفساد والمحسوبية داخل إدارات هذه الشركات، بالإضافة إلى غياب مبادئ الشفافية والحوكمة داخل هذه الشركات؛ مما جعل من خسارتها أمرًا متوقعًا، ونتيجة طبيعية لهذا الفساد، ولكن غير الطبيعي أن يتحمل العمال الفقراء وحدهم ضريبة هذا الفساد الذي صنعه غيرهم من أصحاب النفوذ!

ورصد المؤشر خسارة الدولة المليارات سنويًا نتيجة الفساد والإهمال الذي تعاني منه شركات القطاع العام، دون وجود أي تدخل حقيقي من الدولة لإصلاح تلك المنظومة في حين ربما تتورط السياسات التنفيذية في المزيد من التوجه لخصخصة وتدمير هذا القطاع، فطبقًا للمؤشر فإن صناعة النسيج تخسر حوالي 2 مليار جنيه سنويًا، دون أي تدخل واضح من الدولة سوى بالتضييق على عمالها، فيما بلغت خسارة المصرية للحديد والصلب لأكثر من مليار جنيه في العامين الأخيرين لتبلغ حجم خسائرها ما يقارب 8 مليارات، أما عن الشركة المصرية لتجارة الأدوية فقد تكبدت خسائر تتجاوز الـ600 مليون جنيه، فيما سحبت الشركة قروضًا من البنوك على المكشوف تقدر بـ4 مليارات جنيهًا مصريًا، فيما حققت القومية للأسمنت 582 مليون جنيهًا مصريًا خسائر خلال الموازنة المالية 2017، ونتيجة للفساد أيضًا حظرت شركة ديزني العالمية دخول منسوجات مصرية بقيمة 150 مليون دولار، ويرجع هذا القرار إلى تدني مؤشرات مصر في ستة عناصر من أحد مؤشرات الحوكمة طبقًا لمؤشر البنك الدولي، وهي: الاستقرار السياسي وحكم القانون والسيطرة على الفساد والمساءلة والتضمين والشفافية وإدارة النفقات.

وفيما يتعلق بالحريات النقابية وهو الملف الأكثر تعقيدًا فيما يخص النقابات العمالية المستقلة، فعملية تغول السلطة على الحقوق والحريات النقابية وهجومها المستمر على النقابات المستقلة كانت السبب الرئيسي لإدراج اسم مصر على القائمة المعروفة إعلاميًا بالقائمة السوداء للدول الأكثر انتهاكًا لحقوق العمال لعام 2017، والتى تعدها منظمة العمل الدولية كل عام، كما جاء قانون النقابات العمالية المستقلة رقم 213 لسنة 2017 مخيبًا لآمال الكثير من التنظيمات النقابية ووجهت إليه العديد من الانتقادات أبرزها المادة الثانية الخاصة بتقنين أوضاع النقابات القائمة، ورقابة الجهاز المركزى للمحاسبات على أموال النقابات، وشرط الخمسين عاملًا لتشكيل لجنة نقابية، وعدم الاعتراف نقابات العاملين المتقاعدين، كما واجهت العديد من النقابات المستقلة التي رغبت في توفيق أوضاعها طبقًا للقانون الجديد العديد من العقبات، وأبرزها تعنت موظفي وزارة القوى العاملة في استلام الأوراق  الخاصة بنقابتهم.

وختامًا فإن الهزة العنيفة التي أحدثتها ثورة 25 يناير (كانون الثاني) في البنيان التنظيمي للحراك الاجتماعي وما ولدته من وعي وإدراك بأن الحقوق تنتزع ولا تكتسب، يؤكد أن الحركة العمالية التي كانت في طليعة الشرائح المشاركة في الثورة ليس من السهل إخمادها، وأن صوتها سيظل مسموعًا مهما فعلت آلة البطش والقمع تجاه عمال مصر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد