صباح الثلاثاء الماضي، أعدم النظام الانقلابي في مصر 15 من معارضيه من أهل سيناء الحبيبة وفق حكم عسكري، وإذ يمر خبر استشهاد 15 روحًا وحزن المئات من أهاليهم مرور الكرام، وإذ تكتفي الجماعة ببيان هزيل لا يُسمن ولا يغني من جوع، صدر عن المكتب العام أو الجبهة القديمة، وفيه تم تجميع جميع المفردات التي لاكتها الألسن الإخوانية على مدار الشهور والسنوات الماضية من تحميل الانقلاب المسئولية عن سيلان دماء الآلاف، ووجوب القصاص؛ بل دعوة المجتمع الدولي بمؤسساته القادرة على التدخل لمنع المأساة -الحاصلة بالفعل-، وأن الأحكام «مسيسة» بصورة مكتملة الأركان!

أو ما يعني أن البيان كما قال الشاعر القديم: «حديث خرافة يا أم عمرو»، فلا هذه البيانات تساوي مجرد الحبر الذي يكتب بها، إن كانت تكتب بحبر من الأساس، ولا الانقلابيون سيتوقفون عن إهدار دماء الشباب من جديد، وتمنينا ألا يفعلوا، ولكن أمور الحياة والسياسة لا تسير بالأماني.

ومرة بعد أخرى يضبط المرء أو الإنسان العاقل نفسه متلبسًا بالشعور بالعجز؛ بل الفشل في فهم كيفية تفكير؛ بل إدراك ووعي قيادات الجماعة بما يحدث من حولها اليوم، فهل أثر فيهم كبر السن كما يؤثر في جميع البشر للحقيقة؟ وصار العيب في صف لا يدرك حتى الآن عميق التحديات، وصعب المزالق والدركات والهاوية التي زجت قيادات غادرت الإدراك والفهم منذ مسافة ليست قليلة، وإلا فلننظر على سبيل المثال لا الحصر إلى البيان الذي أصدره السيد الدكتور «إبراهيم منير»، نائب مرشد الجماعة، وأعلى قيادة تاريخية خارج السجن، وهو يعتذر في بيان مشابه تمامًا لبيان إدانة إعدام الانقلاب 15 من خيرة شباب مصر، وفي البيان قبل الأخير يعتذر السيد «منير» إلى البابا «فرانسيس» عما أسماه شتم إخوان له على مواقع التواصل الاجتماعي أثناء زيارته مصر، ووصف الزيارة بأنها بداية حروب صليبية جديدة!

وبعيدًا عن الوصف الأخير تمامًا، فمن الذي أدرى السيد نائب المرشد أن الشامتين من الإخوان، وهم ينشرون على مواقع التواصل الاجتماعي؟ وإن كانوا إخوانًا أخطؤوا بالفعل في حق البابا، هذا على افتراض، مع أننا نحيا في عالم اليوم كلما اعترضنا على فعل صادر عن الإخوان قيل لنا إن مصدره ليس من الإخوان، أو أنه تصرف فردي منه، كما يمكن أن يُقال عن بيان المرشد حول بابا الفاتيكان نفسه، أو حتى عن قوله من قبل واعترافه بالكيان الصهيوني الغاصب والسادة الملوك والزعماء والرؤساء العرب دفقة واحدة، في البيان الأشهر حول القمة العربية في البحر الميت، ثم قوله على شاشة «الجزيرة» منذ أسابيع إن جماعة الإخوان إصلاحية لا ثورية؛ فلا ينبغي أن تخيف الأنظمة العربية!

هل يدرك قادة جماعة الإخوان الذين يلفون ويدورون للحفاظ على مصالحهم الشخصية، ومكتسباتهم الخاصة، إلا من رحم ربي، وبيان السيد «منير» خير دليل على رغبته في الحفاظ على أموال الجماعة التي يرعاها وشركاه من الذين يديرون مكتب لندن ممن قال فيهم الدكتور «عزام التميمي» إن كبيرهم كان يصنع الشاي والقهوة فصار يدير المكتب بقدرة قادر، هل يدركون أنهم يتحملون وزر موقف اليوم بإهداره دماء آلاف ومطاردة وإصابة واعتقال الملايين، وتعطيل قضية مصر وقضايا الأمة بفعل تمسكهم بوهم أن الجماعة منصورة بحبل وسبب من رب العزة مع يقينهم أن الله لا ينصر النيام المتخاذلين عن إدراك موقفهم والتحرك لحله؟

إن موقف اليوم من جانب كل من قيادات الجماعة وصف إما موقن بالمخدرات الفكرية، أو مغلوب على أمره، الموقف يضرب في العمق في مبادئ الإمام الشهيد «حسن البنا» من الإخوة والتجرد والإخلاص والفهم وبقية أركان البيعة، فإذا كان أصحاب المصالح الخاصة من هنا وهناك سوف يسيطرون وينهشون دماء الجماعة بمشاركة الانقلابيين، إلا من رحم ربي، ومشهد اليوم يقول بإن الاختراق المخابراتي للجماعة بالغ وهائل وعلى أعلى الدرجات، ففيما كوادر الجماعة المخلصة تتلظى بنار الفقر والعوز، وما يحدث في تركيا من تشرذم وشجار، وترك لأعلى الكوادر المخلصة الشريفة البعيدة عن الشللية والمصلحة الخاصة، والتي دفعت الثمن غاليًا لمقاومتها الانقلاب، هذا الترك والتخاذل عن مساعدة محتاجين للعمل وسد الرمق سيسري في جميع الدول التي تتواجد الجماعة في المنفى بها، إن لم تكن بوادره قد ظهرت، وإن ترك الأخيرين مع التخلي عن الثوار في مصر وبقائهم مكشوفي الظهر في السجون والمعتقلات وبين يدي الظلمة، مع عدم إعمال الفكر وكل ذرة وخلية في العقل والشعور بحثًا عن حل يوقف هذا الطوفان الهادر من الدماء. كل هذا يشي ويخبر بوضوح أن خللًا أصاب الجماعة كلها في مقتل حتى تعتذر للبابا «فرنسيس» عن كلمات عابرة وتترك الصف يتلظى بمختلف أنواع النيران، وأهونها الحسرة على فراق المعتقلين والشهداء، وعدم قدرة المصابين على كسب الرزق.

وإن قيادات تبحث لنفسها وأموالها واستثماراتها عن مخرج، وأخرى تسعى لنيل جنسية دولة أخرى باسم الثورة، وتعمد لاستكمال أوراقها وأوراق أبنائها وأحبابها، دون أن يكونوا جميعًا من المطلوبين على قضايا إعدام، أو ممن انتهت مدة جوازاتهم، أو مستحقي الجنسية لعمل أو استثمار في ذلك البلد؛ أي أولئك الذين يلهثون وراء «لعاعة» من لعاع الدنيا تحميهم وأبناءهم مما يعاني الصف منه، دون سبب أو سند من ضمير. فإن هذا الموقف لا يعبر إلا عن خيانة لله ورسوله، صلى الله عليه وسلم، وأنانية وحب للذات لا تستطيع الكلمات وصفها.

على كل مخلص لله ورسوله أن يعمد للبحث عن حل لما تعاني منه مصر ومن قبل الأمة، حل يكفل للجماعة التراجع خطوة للخلف لا الانسحاب من المشهد، حل يحفظ لها كيانها وشبابها ووحدتها ولا يسير بها في زمرة المُزايدين من تجار الحروب سواء بوعي أو بدون، وإن كاتب الكلمات ليشهد الله على براءته من تخاذل الجميع دون إنهاء المأساة الحالية، وأيضًا من الانقلابيين الذين يديرون المشهد باقتدار في غيبوبة تامة لعقل الجماعة، بدأت منذ فترة ليست قصيرة واستمرت حتى اليوم.

إن حل الأزمة المصرية المستشرية والمتفشية لن يكون إلا بالتفاوض؛ فلماذا لا تبدأ الجماعة الطريق وتنهي الجدل البيزنطي حوله والكلمات التي تبدأ بـ«أصل»؟ وتحفظ على نفسها دماء جديدة نرجو الله ألا تسيل مجددًا؟ ألم يكف الجماعة ما جرته عليها قيادات الأزمة من آلام ومحن؟ ألم يحن لها أن تنبذهم ولو مرحليًّا بحثًا عن حل؟!

يتبع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد