يعيش المغرب في هذه الظرفية العصيبة المرتبطة بفيروس كورونا المستجد على إيقاع رقمنة الحياة، من خلال صياغة تدابير استثنائية رامية لمواكبة الدينامية المؤسساتية واستكمال الأوراش التنموية، كما عرف بلاد المغرب الأٌقصى تضامنًا مجتمعيًا منقطع النظير في سبيل مواجهة الجائحة عبر إحداث صندوق كورونا المراد له التخفيف من وطأة الأزمات المحتملة. فكيف تبدو صورة كورونا المغرب؟ وأي دروس يتطلب استخلاصها لاستكمال الدينامية وبناء مغرب الغد؟

لا شك أن لهذا الوباء أُثارًا وخيمة على المستوى العالمي، حيث وصل عدد الحالات المستجدة لما يقارب الثلاثة ملايين مصاب دوليًا. وفي ظل استمرار العجلة الاقتصادية في الدوران، لا يمكن للإصابات إلا الارتفاع، الشيء الذي دفع الحكومات لاتخاذ تدبير الحجر الصحي الجزئي والشامل بغية الحد من انتشار الوباء؛ مما سيخلف آثارًا اجتماعية كبيرة وكفيله بتأجيج الغضب الشعبي. فما أثر هذا الواقع الجديد على المغرب؟

تميزت مرحلة كورونا المغرب، بمحاولات الرقمنة الواسعة النطاق، من خلال اعتماد نظام التقاضي عن بعد والتعليم عن بعد والمراسلات الإدارية عن بعد، كما تم تطوير منظومة الاتصال المؤسساتي عبر إحداث مراكز ندائية يرام لها الاستشارة والتوضيح والتوعية، فاعتمدت وزارات الصحة والتربية الوطنية والداخلية والشغل.. على سلسلة مراكز ندائية لم يسبق للمواطن المغربي أن تعامل مع إداراته عبرها. ومن زاوية أخرى، شكلت تجربة التعليم عن بعد اختيارًا بيداغوجيا دعت إليه الضرورة، حيث اعتمدت المسطحات الرقمية لطلبة الجامعات والدروس المصورة لطلبة الثانوي، والإعدادي، والابتدائي.

والمشهد المأسوف عنه، أن هذه الإجراءات لم يتم اتخاذها إلا في ظل بروز جائحة ضربت العالم بأسره، بل إن عين الحكمة كانت تقتضي المضي قدمًا في مجالات العصرنة والتحديث ضمانًا لبناء مجتمعات المعرفة، والإنصاف، والإدماج المهني سواء في ظل الجائحة أو في غيابها. فما هي صورة المغرب الحالية في مجالات التربية والتكوين والاقتصاد والإدارة؟

في مجال التربية والتكوين، تنص المادة 33 من القانون الإطار المتعلق بمنظومة التربية والتكوين على ضرورة تعزيز منظومة التعليم عن بعد وإحداث مختبرات للابتكار وإنتاج موارد رقمية، ذلك أن هذا القانون لم ير النور إلا بعد سجال برلماني، ولم تتم المصادقة عليه إلا في 9 أغسطس (آب) 2019. وتشكل جائحة كورونا فرصة لا تعوض لتطبيق المادة 33 من القانون، خاصة مع استحالة إنجاز الدروس الحضورية، وتعتبر السنة الحالية الأولى في تاريخ اعتماد القانون الإطار المتزامن مع الجائحة.

ويضع خيار التعليم عن بعد، مشهد التربية والتكوين بين واقعين: ضمان تكافؤ الفرص الحقيقي بالنسبة لطلبة التعليم العالي والتكوين المهني، حيث انتشرت في السنوات الأخيرة ممارسات شابها غيات الإنصاف وتكافؤ الفرص من خلال إلزام الطلبة والمتدربين بقبول محتويات بعينها ومجانبة منطق التعليم الأكاديمي والتعليم المهني، إذ استفاد الطلبة من فتح منصات رقمية عالمية والحصول على دروس ووثائق يتطلب الحصول عليها قطع الكيلومترات، أما الواقع الثاني، فارتبط بإسقاط تجربة التعليم عن بعد على تلامذة التعليم النظامي، في غياب تام لصناعة محتويات رقمية تنسجم مع مراحل النمو لدى الطفل، حيث إن درس الابتدائي والجامعي لا يختلفان تقنيًا ومنهجيًا، مع بروز مشاكل سوسيو-اقتصادية لأولياء الأمور عاقت مسار التلامذة للاستمرارية البيداغوجية، وهو ما يسائل ماهية المدرسة المغربية بعد كورونا؟

وفي مجال الاقتصاد، تتميز مرحلة كورونا المغرب، بإغلاق سلسلة من المقاولات الصغرى والمتوسطة لكافة أنشطتها، مع استمرار المقاولات الكبرى في النشاط مع تقليص جزئي لديمومتها، كما اتخذت لجنة اليقظة الاقتصادية قرارات تعويضية لصالح الشغيلة. وفي ظل إقفال مطاعم ومحلات تجارية كبيرة في زمن كورونا، مما يسائل غياب مظاهر الحكامة المثلى لأغلبية المقاولات الصغرى والمتوسطة، حيث شكلت مجالات التسويق والتوزيع الحلقة المفقودة في مسلسلات نمو هذه التنظيمات الاقتصادية.

ومن باب ضرب المثل، يمكن لمقاولة خدماتية (مطعم) في تقديم خدمات توصيل الطلبات عن بعد ضامنا إنقاذ نشاطه جزئيًا، ويمكن لبائع الأجهزة الإلكترونية إقرار نظام التجارة الإلكترونية والتسويق المتعدد الأقطاب بغية ضمان الاستمرارية، كما أن فكرة إحداث مراكز ندائية مصغرة اختيار إستراتيجي تحتمه الظرفية الراهنة. والحقيقة الغائبة، أن أرباب المقاولات الصغرى والمتوسطة أسسوا غالبية أنشطتهم على مفهوم الربح؛ مما جعل الدولة تصف عدد من القطاعات بغير المهيكلة، فلو تم مأسسة النشاط على أسس الثقافة المقاولاتية المؤمنة بقيم التخطيط الإستراتيجي، والتطوير والتنظيم، ما كان لغالبية الأنشطة التوقف، بل تساهم من موقعها المجتمعي في تثبيت معالم الحجر الصحي، ذلك أن الظرفية الحالية تتطلب انخراط الجميع في سبيل مواجهة الجائحة، بدلًا عن العودة للمركزية.

وفي مجال الإدارة، عرف هذا الورش تطورًا مهما في عهد الجائحة، إذ صار من الممكن عقد الاجتماعات عبر تقنيات البث المباشر المتعارف عليها، كما أصبح من الممكن اعتماد نظام مراسلات إدارية إلكتروني تفاديًا للاكتظاظ والضغط على المرفق العمومي. وهذا المشهد قضته ضرورة قصوى، لم يكن معهودًا قبل الجائحة في المغرب، إذ كان يقتضي الحصول على وثيقة إدارية، انتظار قرابة ساعة أو ساعتين، وما يسبب ذلك من تعطيل لمصالح المواطن ويولد شعور انعدام الشعور بالثقة في المؤسسات.

ومن زاوية الإدارة الترابية، فإن مشاريع الجهوية المتقدمة، ظلت مقتصرة على تنفيذ القرارات المركزية، فلا زال رؤساء الجهات غير قادرين على صياغة سياسات خلاقة لتدبير الحجر الصحي، كما أن المؤسسات الثقافية والإعلامية والاقتصادية الجهوية، أقفلت على مقراتها، بدون انخراط في مواجهة الجائحة، مولين جميعًا قبلتهم لقرارات السلطة المركزية، وهو ما يسائل ماهية مشروع الجهوية بالمغرب وأفاقه بعد الجائحة؟

على سبيل الختم، لا يسع كل مغربي إلا الترحم على شهداء الجائحة التي ألمت بالمغرب، وينوه بالمجهودات الجبارة للأطقم الأمنية والصحية والإدارية التي أبانت عن تفان واضح في قطع دابر الجائحة، وما ارتفاع معدلات الشفاء إلا دليل قاطع على مدى السيطرة المشهودة على انتشار الوباء.
وفي المقابل، وجب وضع لبنات جديدة لمرحلة ما بعد كورونا عنوانها: المأسسة،
والحكامة، والشفافية، والإنصاف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الرسالة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد