الثابت الوحيد في الموقف التركي من الثورة/الأزمة السورية كان التغير الدائم على مدى السنوات الست السابقة، بناء على تفاعل ثلاثة عوامل هي: الواقع الميداني السوري، والمشهد التركي الداخلي، والموقف الدولي من الثورة/الأزمة. *سعيد الحاج

منذ ولادة الثورة السورية وحتى الآن، غيرت تركيا سياساتها واستراتيجياتها تجاه الملف السوري بأشكال مختلفة، وصلت لدرجة التناقض أحيانًا.

تنوعت بين المشاهد السلبي إلى ظاهرة كلامية، ثم متفاعل غير مؤثر!، ثم إلى فاعل غير إستراتيجي مضر بالثورة وبأمنه القومي؟! ثم إلى فاعل رئيسي، ثم الإستراتيجية الواعية في المرحلة الأخيرة.

لكن يبقى الثابت الوحيد في هذه المراحل هو «التغير الدائم»، وباستعراض تاريخي لهذه الديمومة المتغيرة نجدها مرت عبر عدة مراحل:

الأولى: المشاهد السلبي

في المرحلة الأولى من عمر الثورة اكتفت تركيا بتقديم النصائح لبشار الأسد بضرورة القيام بإصلاحات حقيقية وجذرية، ثم تطور موقفها بعد ذلك تبعًا لتطور الواقع الميداني والموقف الغربي من شرعية بشار الأسد.

الثانية: الظاهرة الكلامية

والتي بدأت بالحديث عن الخطوط الحمراء: «حماة خط أحمر»، ولن نسمح بتكرار المجازر التي حصلت في الثمانينات، وسنفعل و… وفي ذات الوقت استباحت المدينة ميليشيات بشار؛ فقتلت العشرات من أهلها واقتلعت حنجرة منشد مظاهراتها «إبراهيم القاشوش» وغيبت المئات من أهلها في السجون، وما زالت المدينة إلى يومنا هذا ترضخ تحت هيمنة ميليشيات بشار. ثم «حمص خط أحمر» ولن نسمح … وسنفعل …! إلى أن دمرت المدينة وهجر أهلها! هذه الظاهرة  تكررت مرارًا خلال عمر الثورة، وغيرها من الخطوط الحمراء!

ثالثًا: المتفاعل غير المؤثر!

لعل السمة الأبرز للتعاطي التركي مع الوضع في سوريا خلال أكثر عمر الثورة هي المتفاعل الغافل! وثق بالأمريكي وسهل عليه اختراق الثورة وحرفها لتحقق مشاريعه، حتى غدت في بعض المراحل وكأنها شكل من أشكال الحرب بالوكالة وتنفيذ لمشروع «الفوضى الخلاقة» وتهيئة الأجواء لإعادة رسم الخرائط!

في هذه المرحلة وفرت تركيا الملاذ الآمن للمعارضة السياسية وللاجئين، كما كانت مركزًا لغرف الدعم الدولية «الموم»؛ التي تقدم الدعم لبعض فصائل الجيش الحر في الشمال، وتشكلت فصائل أخرى تتلقى الدعم من البنتاغون مباشرة! ساعدت تركيا بذلك الولايات المتحدة في توظيفها لبعض الفصائل وحرف بوصلتها. رضيت تركيا بهذا الدور الهامشي بالرغم من امتلاكها لأكثر أوراق القوة في المشهد السوري!

رابعًا: فاعل ضار بنفسه وبالثورة

في نهاية 2014 أفرغ الأتراك حلب من بعض فصائل «الجيش الحر» وزجّوا بهم في معركة «عين العرب» ليساعدوا إخوانهم الأكراد «pkk» في حربهم ضد «الإرهاب» وسهلوا دخول المقاتلين القادمين من «كردستان العراق» والسلاح إلى «عين العرب». سيطر الانفصاليون بدعم من التحالف الدولي وتسهيلات تركية على عين العرب ثم على تل أبيض ثم أكملوا طريقهم حتى ربطوا مقاطعتي الجزيرة وعين العرب ببعضهما، ثم بدأوا يتجهون غربًا. لتبدأ بعد ذلك خطة تهجير العرب من أرضهم وطرد الفصائل المدعومة تركيا من المناطق «المحررة» حديثًا؛ ليتبين للأتراك أنهم لم يكونوا سوى مطية لتحقيق مشروع «كردستان سوريا». حتى صار الحال والمآل أشبه مايكون بالثورة العربية الكبرى ومآلها! يقول توماس إدوارد لورانس الشهير بـ«لورنس العرب»: «لقد كان قواد الحركة العربية يفهمون السياسية الخارجية فهمًا عشائريًا بدويًا، وكانت طبيعة قلبهم وصفاء نيتهم وانعزالهم عن العالم الغربي تخفي عليهم ملتويات السياسة وأخطاءها وتشجع البريطانيين والفرنسيين على القيام بمناورات جريئة يعتمدون في نجاحها على سذاجة العرب وضعفهم وبساطة قلوبهم، وكانت لهم بساطة في التفكير وثقة في العدو».

العودة إلى الظاهرة الكلامية

في نهاية 2015 أسقط الأتراك طائرة حربية روسية «سوخوي 24» بعد اختراقها المجال الجوي التركي -ربما بإيعاز أمريكي- ليخرجوا نتيجة لهذا الفعل خارج مجال التأثير في مجريات الأحداث الميدانية في سوريا، ويعودوا مرة أحرى إلى مربع الظاهرة الكلامية. في هذه الأثناء وبينما كان مشروع «كردستان سوريا» يشق طريقه إلى الغرب عابرًا الفرات وصولًا إلى منبج، كان القادة الأتراك يكررون كلامهم الطويل عن الوعود الأمريكية بسحب السلاح الثقيل من القوات الكردية بعد انتهاء الحرب، والعودة إلى شرق الفرات بعد السيطرة على منبج! وغيرها من الوعود… ثم بعد ذلك عادوا يهاجمون أمثال «لورانس العرب» الجدد، الذين ينفذون سايكس بيكو جديدة باسم حروب الاستقلال؛ متغافلين عن أنهم لعبوا دورًا كدور قيادة الثورة العربية وأنهم هم من قدم المساعدات لأمثال «لورنس العرب» الجدد!

خامسًا: العودة الفاعلة

بعد تحسن العلاقات مع موسكو -يبدو أن طهران لعبت دور الوسيط- عادت تركيا لتلعب دورًا جديدًا في المشهد السوري، لكن الدور هذه المرة يعد قفزة كبيرة بالمقارنة مع سياسات أنقرة المترددة في السابق! دخلت تركيا عسكريًا في الملعب السوري. قبيل إطلاق عملية «درع الفرات» كتب مدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، سونر جاغابتاي: «إذا كانت تركيا تريد التدخل ضد «تنظيم الدولة» في سوريا ومنع تقدم الأكراد وهزيمة «حزب العمال الكردستاني» في أراضيها، فقد تفعل كل ما هو ضروري لإرضاء موسكو»3. لتسمح لها موسكو بإطلاق عملية «درع الفرات» للسيطرة على ريف حلب الشمالي وقطع الطريق أمام الانفصاليين الأكراد قدمت أنقرة حلب قربانا لذلك -بعد أن كانت أضعفت جبهاتها مرتين قبل سقوطها؛ واحدة لصالح «عين العرب» والأخرى لصالح «درع الفرات».

عاود الأتراك ترديد الكلام حول الوعود الأمريكية والحديث حول تفاهم تركي -أمريكي في منبج، وأن الأمريكيين سيسحبون قوات الانفصاليين إلى شرق الفرات؛ لينتهي الأمر بتسيير دوريات مشتركة مع الأمريكيين لا تغير شيئًا من حقيقة الإقليم الماثلة شرق الفرات وصولًا إلى منبج غربه.

أطلق الأتراك بعدها عملية «غصن الزيتون» للسيطرة على عفرين؛ كان القربان هذه المرة سيطرة النظام على مناطق شاسعة من أرياف حلب الجنوبي وإدلب الشرقي وحماة الشمالي فيما يعرف باتفاق «شرق السكة»؛ منعت أنقرة معظم الفصائل من المشاركة في صد تقدم قوات النظام بدعم روسي على تلك المناطق.

قدم الأتراك مناطق حيوية واسعة للروس والإيرانيين بالرغم من أن منع نشوء «كردستان سوريا» ليس هدفا تركيا فحسب! بل هو هدف لتركيا وروسيا وإيران على حد سواء. فروسيا يهمها السيطرة على سوريا كاملة، ولكنها لا تستطيع أن تنتزع شبرًا من الأراضي التي يسيطر عليها الانفصاليون في ظل الدعم الغربي غير المحدود -خاصة وأنها جربت الاحتكاك في دير الزور فكان الرد الأمريكي سريعًا وقاسيًا- وإيران هي الأخرى مهددة في أرضها ووحدتها من قبل «حزب العمال الكردستاني» كما تركيا؛ فلما قدم الأتراك كل هذه التنازلات لتحقيق مصلحة مشتركة لكل الأطراف؟! كما أن سيطرة تركيا على عفرين لا تغير من حقيقة وجود «كردستان سورية» شرق الفرات بمقدرات وموارد ضخمة من نفط ومياه وزراعة.

سلبيات المرحلة

لعل الأسوأ في هذه المرحلة -مرحلة عودة تركيا للعب دور في الملف السوري- كان اتفاقيات خفض التصعيد «أستانا»، فقد جعلت هذه الاتفاقيات من المجرمين (روسيا وإيران) ضامنين! وأعطت النظام وأعوانه الفرصة ليستفردوا بالمناطق الواحدة تلوى الأخرى! سيطر النظام خلالها على ثلاثة من مناطق خفض التصعيد الأربعة: (شمال حمص ثم الغوطة الشرقية ثم الجنوب السوري). في دراسة أعدها المركز العربي للدراسات تحت عنوان «مناطق خفض التصعيد: إستراتيجية روسيا في حسم الصراع السوري عكسريا»؛ جاء فيها: «تبين بمرور الوقت أن مناطق خفض التصعيد لم تكن سوى خدعة روسية، هدفها الأساسي حسم الصراع في سورية عسكريًّا لمصلحة النظام والقضاء بالقوة على فصائل المعارضة».

سادسًا: الإستراتيجية الواعية

بعد غدر روسيا بمناطق خفض التصعيد الثلاثة انتهجت الدولة تركيا سياسة مختلفة عن باقي سياستها طوال عمر الثورة تتسم هذه المرة بالنظرة الاستراتيجية. لم يثقوا بالروس ولا بغيرهم. اتجه الأتراك في تعاملهم مع الفصائل للاستيعاب والاحتواء وعدم التصادم. كما أنهم أشرفوا على تشكيل غرفة عمليات مركزية تضم كل الفصائل في الشمال المحرر ولا تستثني أي فصيل، وقدموا الدعم المعنوي والمادي لغرفة العمليات؛ فتم تحصين الجبهات ورفعت الجاهزية لكل الفصائل، كما أنهم أداروا الملف سياسيًّا مع الأوروبيين ضاغطين بورقة اللاجئين! ليحصلوا على المساندة ويقووا موقفهم في المفاوضات مع الروس.

خاضوا مع الروس والإيرانيين جولتين من المفاوضات في موسكو وطهران باءتا بالفشل. ثم نتج في الأخير «اتفاق سوتشي» ذو الشروط المجحفة -كما لو كان لحفظ ماء وجه بوتين! انتهت مدة التنفيذ وما زال الأتراك يلتفون على الاتفاق ولا ينفذونه، بل ويقوون نقاط المراقبة التي وضعوها حتى تحولت إلى قواعد عسكرية!

اتفاق سوتشي لن يدوم طويلًا، وسيحاول الروس قضم مناطق وستشتعل المعركة؛ لكن هل سيبقى الأتراك يتصرفون باستراتيجية منظمة أم يعودون إلى مرحلة الأفعال غير المدروسة؟! يبقى سؤالا مفتوحًا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

الجزيرة.نت: "تركيا والثورة السورية .. ملامح مرحلة جديدة"
توماس إدوارد لورنس - أعمدة الحكمة السبعة
معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى: "العلاقات التركية-الروسية بعد إذابة الجليد بين اردوغان وبوتين"
عرض التعليقات
تحميل المزيد