لماذا نقسو ؟

يقول مصور ألماني قد أرسل إلى ليتوانيا أثناء الحرب العالمية الثانية ما يلي: «واجهت المشهد الآتي في ركن على اليسار في إحدى الساحات كانت هناك مجموعة من الرجال تتراوح أعمارهم بين ثلاثين وخمسين عامًا، وكان عددهم من أربعين إلى خمسين رجلًا. كانوا قد جُمعوا معًا وكان يحرسهم بعض المدنيين، كان المدنيون مسلحين بالبنادق المطوقة بأحزمتهم كما يبدو في الصور التي التقطتها لهم، وكان هناك شاب لابد وأنه ليتواني -قد شمر عن ساعده- أمسك بقضيب من الحديد كسلاح في يده، كان في كل مرة يسحب رجلًا من المجموعة الواقفة ويضربه بالقضيب الحديدي مرة أو أكثر على مؤخرة رأسه، وبعد ثلاث أرباع الساعة كان قد ضرب كل المجموعة حتى الموت بهذه الطريقة والتقطت سلسله من الصور لهؤلاء الضحايا. بعد أن مات الجميع وضع هذا الشاب قضيب الحديد في ركن من أركان الساحة وأحضر «أكورديون» ووقف على هذا الجبل من الجثث وأخذ يعزف السلام الوطني لبلده ليتوانيا. أما سلوك المدنيين الذين شهدوا الواقعة فكان لا يصدق. كانوا يصفقون بعد أن يقتل كل رجل، وعندما بدأ عزف السلام الوطني أخذو ينشدون ويصفقون وكان في الصف الأول نساء حملن أطفالهن وبقين هناك حتى النهاية!».

من أجل أن نعطي حكمًا على أي فعل بأنه قاسٍ لا بد أن يسبب هذا الفعل آلامًا ومعاناة ولكي نختبر هذه القسوة لا بد من فاعل يعي جيدًا ما يفعل ويفعله عن عمد وقصد ولا بد من ضحية تعاني آلامًا ليس هذا فحسب بل تعبر عنها بأحاسيس ملموسة وتنفعل معها بوضوح ،لذلك كان الكائن الأكثر دراية بأمور المعاناة هو الإنسان سواء كان قاسيًا أو مقسوًا عليه أو حتى تسبب في القسوة.

تقول الكاتبة كاثلين تايلور إن القسوة يمكن النظر إليها باعتبارها سلوكًا غير مبرر لمن لا يستحق، على ضوء هذه العبارة يمكن استعراض حادثة ليتوانيا مرة أخيرة، هل الحادثة فعلًا شيء قاسٍ؟ إن الدافع الذي نتجت عنه هذه الحادثة يفسره الشاب والضحايا الخمسين والجمهور السعيد المنتشي بترديد نشيده الوطني المعزوف على أكورديون وُضع على جثث من بني الإنسان، ربما يري البعض أن القسوة هي أن الشاب المسلح قد شاهد جماجمهم وهي تنكسر ولمس بيديه دماءهم الساخنة وهي تسيل وسمع بأذنيه أنينهم وصراخهم ورأى بعينيه عظامهم المكسورة ولم يرق ولم يتراجع بل أكمل صنيعه حتى النهاية وربما لا يرى البعض أن في ذلك قسوة بل يراها في الناس، كيف تفاعلوا مع ما حدث لقد سادت فرحة غريبة ونشوة عارمة في صفوف الجماهير وهم يرون الضحايا ورؤسهم عند أقدامهم ولم يتحرك فيهم الأسي أو ينبعث فيهم الكآبة، يا لها من قسوة! بل وربما بعض آخر لا يرى قسوة في هذا الشاب الجاني وليست في الجماهير التي يروقها منظر الدماء بل أحس بالقسوة حين استعرض منظر الضحايا أنفسهم وهم يُضربون على رؤسهم فيسقطون ويعانون أضرار الموت وكيف كانوا يموتون ببطء وهم ينظرون حولهم فيرون الابتسامات ويسمعون التصفيق هذا حقا باعث على الألم.

تقول كاثلين تايلور في كتابها (القسوة) ما يلي: «إن القسوة ليست غضبًا، ربما تجد رجلا غاضبًا يطلب منك الرحيل من وجهه كي لا ينفجر أما القاسي فهو ليس متعاونا كالغاضب بل يريد منك لتبقى وتستقر حيث يريد أن بتربص بك».

وليست القسوة كالألم كلاهما يسبب المعاناة فربما تجد شخصًا يعاني بلا ألم كالذي يُهدد بالموت أما القسوة فهي السبب الأقوى والأشد كي يعاني الإنسان، ربما يمكن أيضًا الحكم على القسوة حين نقارن بين جريمة الضحايا وبين عقاب الجاني، تخيل لو أن رجلا سرق منزلا ثم أمسك به الناس فقطعوا أوصاله وعلقوه حتى الموت. تُرى لأي الجانبين ستقف؟ هل سترى أن اللص يستحق ما أنزله الناس به؟ بالقطع لا لأن الجزاء فاق مقدار الجريمة بمراحل وتخطاها ليكون الناس قساة واللص أصبح الأن ضحية وهنا يصوغ عالم الأنثروبولوجي الكسندر لابان هينتون تعبير «العين بالرأس» و في القرآن الكريم يقول الله «وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ»، إن هذه الآية المذكورة جاءت تحرم تفوق العقاب على الجريمة تلك التي تنتجها القسوة.

أصبح العالم الآن مكانًا تنمو فيه القسوة بسرعة بالغة، وأصبح ثقل العقاب أشد وأنكى من ثقل الجريمة، تخيل هذا اللص الذي أمسكه الناس وهو يسرق ومزقوه كل ممزق فإنه قد أُعتبر قسوة ضد اللص فمابالك الأن بالأطفال والنساء والرجال المشردون والمعذبون في الأرض بدون أن يسرقوا أو يقتلوا أو حتى يثوروا أليست هذه قسوة؟

أليس ما يحل بدول بأكملها الآن سلوك غير مبرر لمن لا يستحق؟ أليس ما تعاني منه أقليات في شتى بقاع الأرض هو سلوك قاسٍ لا يرحم؟ تُري إلى أي حد عنده ستقف القسوة الزاحفة بجنون؟ وأي عدد من ضحايا الإنسان سيشبع قساة العالم حتى يتراجعوا عن قسوتهم المتنامية؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد