لم يكن شنسوكي هاشيدا المصور الصحافي الياباني يعلم ما تغزله له يد القدر!

ارتشف قهوته في ذلك المنزل الذي طوَّقَتْه الرصاصات، وأحاطَتْ به الأطلالُ البالية، في ليلة ودعها الشتاء واستقبلها الصيف استقبالًا فاترًا، في شهر مارس من عام 2004، كان يجلس بمقرُبَتِه محمد هيثم الطفل ذو التسعة أعوام، بروحه المرحة، وقفزاته المستمرة، ومقاطعته له في الحديث، يشوِّه المشهد عيناه المغلقتان بفعل شظية تهدده بالعمى المستمرّ، لم يكن الياباني الخجول يتقن من العربية غير بضع جمل  استنفدها في حديثه مع ربِّ العائلة، الذي وافق مسرورًا على أن يصور هاشيدا ابنَه محمد، معرِّضًا بأثر الحرب على المدنيين المساكين، مقابل وعد شفهي تلقاه من المصوِّر بأن يُرسل له فور رجوعه إلى اليابان من أجل علاج محمد على نفقته الخاصة.

كان الأب قد شرح للصحافي الياباني ومرافقه أن أطباء العراق قد هجروا البلد للحروب الدائرة، وللخطف المستمرِّ في مقابل الفدية، أو لثارات شخصية، أوضح له أن الطبيب إذا قام بمحاولة يائسة لإنقاذ مريض يفارق الحياة، ثم توفي المريض، فإنه لا يلبث ساعة حتى يأتيه شيخ قبيلة معه أخو المتوفَّى أو أبوه، طالبًا منه دفع فدية، لأنه «مارس القتل غير المتعمد»، والويل لمن لا يدفع. أحيانًا يدفع الطبيب خائفًا، ثم يُقتل طلبًا للثأر!

مضَت الأيام متلاحقة، يحدو العائلة أمل كان عزيزًا قبل قليل، غدًا يرى محمد بعينيه دموع أبيه، ووجه أمه المتغضِّن. بعد شهرين جاء للعائلة هاتف من طوكيو، تلقاه الوالد بالحبور، صدقهم هاشيدا، وسيأتي في يومين ليصطحب الولد المشاغب إلى حيث يطيب المقام!

في طريقه من مطار بغداد إلى الفلوجة اختفى الفارس الياباني صاحب الخمسة وستين ربيعًا، ومعه خاله الصحافي أيضًا، ومعهما مترجم لإتمام إجراءات النقل، مثل آلاف غيره وقع بأيدي «بشر» لا يفرقون بين عدو وصديق، ولا يعرفون للإنسان حرمة، يتباهون بإزاحة الرأس عن الجسد، ويتفاخرون بهدم معاني الآدمية! هكذا حملوا رأس هاشيدا يتلقفونه كما تلعب أنت بكرة رخيصة الثمن!

طار الخبر في صحافة العالم، وفي قلب شبكات الإذاعة، ومحطات التلفاز!

انسابت الدموع من عيني محمد المقروحتين، وأسلم نفسه لحزن، كيف تداعب الأحلام ابن العراق، وكيف يتوب عن ذنب اقترفه بأن طمح إلى ما ليس له! كان الأب أكثر حزنًا؛ فدماء رجل من بلاد بعيدة معلقة برقبته، كيف لا وهو الداعي له للعودة إلى أتون الحروب؟!

لكن اليابانيين فيما يبدو وتخليدًا لذكرى فارس من فرسانهم، لم ينسوا ثأرَهم، لم تكد العائلة اليابانية المفجوعة تقِفُ على قدمها بعد الحادث، حتى أرسلت إلى محمد الذي لم يكن قد برئ من حزنه، ليس من أجل تصفيته، أو الانتقام، وإنما بهدف إنفاذ رغبة فقيدهم، في تقديم العلاج، والتربيت على كتف لا ذنب لها سوى أن صاحبها وُلِد في بلاد مجنونة!

أبصر محمد، انكشفت عن وجهه غيامات العمى، عرف كيف يدمع على صديقه المصور، وما إن جفت دموعه، حتى رأى في العاصمة اليابانية طوكيو مستشفى مزوّدًا بأرقى الإمكانيات الطبية لعلاج الأمراض السرطانية للأطفال، مبنى حقيقيًّا، يختزل لوعة الأمهات، وبكاء أطفال، ترعاه الأمم المتحدة، جاء بناءً على تبرعات بالملايين لمشروع أرملة هاشيدا، ومساهمة الحكومة اليابانية، ويعمل فيه حاليًا 30 طبيبًا وطبيبة.

محمد اليوم يمضي سنوات شبابه وقد تلألأ قلبه بالأمل، ونفذت أشعة السعادة إلى خاطره، وأضاءت وجهه، وشاهيدا هناك حيث انتقل مع كل شريف، إلى دار لا يُظلم فيها أحد، وأظنه يبتسمُ بعد أن أوفى بوعده، الذي كان يؤرقه، أكثر من الرصاص المنصب، والسكاكين الغادرة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد