الدافع وراء سلسلة المقالات هذه هو كثرة عدد المؤلفين الآن، سواء حديثو العهد بالكتابة أو النشر. أصبح أمام من يريد أن يقرأ لكاتب عملًا جديدًا أن ينتقي وسط الآلاف من الأعمال المنشورة، أو يطلب مشورة صديق، أو يقرأ عن العمل الأدبي قبل أن يقرأه كاملا.

الآن أنا أقرأ بعض هذه الأعمال، وسأكتب عنها. لست ناقدًا محترفًا ولكني أزعم أني كذلك كقارئ. وبضاعتي التي أروجها هنا هي الحياد والموضوعية والوقوف جوار الموهبة وعدم المحاباة. سأقرأ بعض الأعمال وأتكلم عنها وللقارئ الرأي الأخير فيما أكتبه وفي العمل.

أتكلم في هذا المقال عن رواية الحشاش لمحمود أمين، وهي رابع أعماله بعد نظرات دمية (مجموعة قصصية)، وحالة توحد (رواية)، واستجواب (رواية).

تبدأ الرواية بسرد تاريخي ثقيل نسبيا وغير دارج على الثقافة المصرية، وهو سرد عن تاريخ الشيعة والفروق بين طائفتي الإسماعيلية والاثني عشرية عندها، وطائفة الحشاشين، معلومات قيمة وجديدة عن بدايات الاختلاف في إيران والصراع السياسي بين الشيعة أنفسهم وبين غيرهم في مصر وإيران. المعلومات كلها حقيقية ولكنها مقدمة بشكل يخدم الرواية وطبعا لم يتجشم الكاتب عناء الباحث تاريخيًّا بعرض عدة روايات ووجهات نظر بقدر ما قدم من الأمور ما يفيد وجهة نظره.

بعد الجولة التاريخية سيتوجس القارئ خوفا من أن تكون الرواية بنفس الطريقة فتكون مملة أو غير مستساغة. إلا أن العكس هو ما يحدث حين يكمل القراءة. الرواية بسيطة وسلسة لدرجة السهولة في الألفاظ وعدم تكلفها. لدرجة أنها كانت تحتاج لبعض جماليات اللغة والصنعة حتى ولو بنصف ما في المقدمة.

تأثر الكاتب بشخصية فارس الأندلس التي قدمها الكاتب نبيل فاروق من قبل. فعبد الرحمن بطل الرواية له نفس الظروف تقريبا وأخلاق وقوة فارس الأندلس. حتى فهد الذي يظهر فجأة لدعم فارس الأندلس منه هنا نسخة اسمه سلام وإن لم يظهر إلا مرة واحدة لدعم صديقه.

تسلسل الأحداث وصور المشاهد كلها مع اللغة تدل على أن الكاتب متمكن من أدواته ولكن ينقصه الإثارة التي تجعلك لا تترك القصة غير مضطر. ينقصه أن يشدك إليه شدًّا. فتسلسل الأحداث الهادئ حتى قبيل النهاية قد يكون مملا أحيانًا.

الإنسانية هي عنوان الرواية. فدوما ستتعاطف مع البطل عبد الرحمن الذي تابعه الكاتب منذ صغره وحتى صباه. تابعه وكتب باحتراف في زمن قديم رغم بعض الألفاظ التي لابد أنها لم تكن موجودة وإنما استقاها الكاتب من كتاب آخرين مثل عبارة “فلتذهب البوابة للجحيم” التي قالها أحد الأبطال.

حب البطل لشابة في وسط الأحداث أكسب الرواية بعدًا عاطفيًّا مع البعد الاجتماعي والتعاطف مع البطل، ثم شهامته وبحثه عن الحقيقة ودراسته لمذهب المختلفين معه أعطى الرواية زخمًا ودفع في الاتجاه الذي بدأ به الكاتب.

تبنى الكاتب وجهة نظر البطل تمامًا حتى إنه لم يثر أية تساؤلات قد تضعف موقفه أو حتى تبعث على التساؤل حول ما إن كان حدس البطل صحيحًا للنهاية أم هناك بعض ما يخفى عليه. كان الوصول للحقيقة سهلا على البطل والكاتب. ولا أظنه كذلك فيما يتعلق بالأديان والطوائف. وهي بحق ليست مجالا جيدا للمناورة وإظهار حرفية الكاتب، وخصوصًا عندما يكون للكاتب وجهة نظر معدة سلفا يدافع عنها.

الحدوتة جميلة رغم قدم بعض تفاصيلها، والشخوص غنية والوجبة دسمة لمن يهوي قراءة الروايات ولا يدقق كثيرًا خلف مغزى الحواديت. بل يهتم بالتفاصيل العاطفية والإنسانية داخل الحكاية. وهذا كان رائعًا عند الكاتب.

الحقيقة أن الرواية وحدها لا تكوِّن رأيًا جازمًا حول قدرة محمود أمين على صياغة رواية غير تاريخية، ولكني أظنه سيكون أفضل بكثير. فقد كبل نفسه في إطار صعب جدا ومنهك. وهو أن تدور الأحداث في ظل فكرة تاريخية وفي عهد قديم، واستخدام أسماء أشخاص تاريخية حقيقية كحسن الصباح وقلعته إلموت.

أظن الكاتب لديه الكثير، وسأقرأ له غير الحشاش؛ لأن من يخرج رواية مثل الحشاش بهذه الأفكار ورغم تلك الصعوبات التي ذكرت لابد لديه الكثير والكثير ليكتب ونقرأه. وهو بالتأكيد خط جديد لابد أن يظهر وينتشر فيثقف القراء ويفتح لهم باب قضايا سواء شائكة أو سهلة معتادة، ليبحثوا فيها ويعرفوا عن ما ذكره الكاتب بل وأكثر.

كل كتاب بفكرة جديدة يفيد، وكل كتاب يتركك تفكر بما فيه وتبحث بعده مفيد. ورواية الحشاش كذلك. لذلك ليس من الغريب أن تحظى ببعض الشهرة وسط آلاف العناوين الجديدة للقراء الشباب الذين يظهرون على الساحة الآن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد