ربط عمر يدي طفله الذي وقف أمامه منكس الرأس يبكي في هدوء، وعمر يمسك عصًا رفيعة بيده، وتبدو عيناه زائغتين، وقد أخذ يقول بصوت عالٍ: قلت لك مائة مرة، من ضربك تضربه ثم هوى بالعصا على جانب طفله فأطلق صرخة فزعة، وأكمل عمر قائلاً: أول ما تصل للمدرسة تمسك حجرًا وتفتح رأسه، فهمت ثم أعاد ضربه بالعصا، وإن لم تدفع الطفل للصراخ هذه المرة، مما جعله يجذبه من أذنه حتى كاد يخلعها، ووضع وجهه أمام وجه طفله، وصرخ قائلاً: ضعيف لا، خرع لا، حقك في ذراعك، أنا خلفتي رجال لا أطفال ثم عاود ضرب العصا على جسد ميت.

ذهب الطفل، وأمسك عمر هاتفه، ثم ضغط أزراره وانتظر قليلاً قبل أن يقول: نعم يا معلم فرج، معك بضاعة؟ – عظيم، حضر لي فرش حشيش، وميعادنا بعد ساعة في جنينة الملاهي عند الخرابة في آخر الجنينة، انتظر قليلاً ثم ذهب في طريقه إلى الحديقة، وأخذ يسير في ذلك الطريق المترب على مهل يتأمل مؤخرات السائرات وصدورهن، تنخّم بقوة ثم بصق على جانب الطريق.

 

وبعدها أشار إلى عربة نصف نقل وقفز فوق صندوقها لتقله حيث الحديقة مقابل نصف جنيه، أشعل سيجارة ثم نظر بقوة إلى تلك المرأة التي تأففت فلجمتها النظرة، وجعلتها تنظر إلى أصابع قدميها هربًا منه، وبعد قليل قفز من صندوق العربة إلى الشارع، شعر بالجوع فاشترى رغيف خبز، وأخذ يقضم منه أثناء سيره حتى وجد ذلك المُسنّ وهو يشحذ معلنًا جوعه، فأعطاه ما تبقى من الرغيف.

وفجأة انطلق يعدو، وهجم على باب سيارة أجرة تجمع على بابها العشرات من راغبي الركوب، وصوت السائق بالداخل يصرخ فيهم: على مهلكم يا (بهايم)، على مهلكم على الباب يا (بهايم)، لم يلتفت أحد له حيث كانوا منشغلين بدفع بعضهم بعضًا لينالوا شرف الركوب مع قائد البهائم، وقد استطاع عمر شق طريقه دافعًا طفلاً وامرأة خارج سباق الركوب، ثم قفز إلى المقعد خلف السائق، كان يشعر بصداع شديد فوضع رأسه بين يديه لعله يخفف صداعه، وأخذ يحلم باللحظة التي يأخذ فيها أول نفس من سيجارة الحشيش بعد قليل ليمحو أي أثر لهذا الصداع.

رفع رأسه فرأى السائق يتحدث مع أحد زملائه في الشارع، ويتضاحكان، فانتظر قليلاً ثم شعر بالدم يغلي في رأسه فقال: (الوقت يا أسطى، متأخرين) نظر السائق نحوهفي احتقار ثم عاد للالتفات لزميله وإكمال حديثهما، فزفر عمر في قوة، وانتظر قليلا ثم قال: يا أسطى، فأعاد النظر نحوه، ثم بدأ في تشغيل سيارته وقال: (شغلانة وسخة) منعه الصداع من الرد، ووضع رأسه بين يديه، ثم رفع قدمه ووضعها فوق الجزء المرتفع خلف مقعد السائق مباشرة، ووضع رأسه على ركبته في إعياء، وبعد قليل وجد يدًا تهزه بقوة، وصوت السائق يقول له: أنت يا عم أنت، نظر عمر نحوه، فقال السائق في عصبية: اقرأ المكتوب على ظهر الكرسي.

 

كان مكتوبًا على ظهر الكرسي (نزّل رجلك يا حمار) ازداد غليان الدم في رأسه، وقال: (أنت ابن ستين حمار، يا ابن الزانية) وعلى أثر ذلك توقف السائق فجأة فارتجت السيارة بمن فيها، ونزل السائق من بابه، ودار حول السيارة فاتحًا الباب الآخر، ثم مد يده جاذبًا عمر من قميصه نحو الشارع، وقبل أن تلمس قدماه الأرض وجه السائق نحوه لكمة شديدة ضاعفت صداعه، وشعر بالسواد يلف عينيه فسقط على الأرض، فركله السائق في بطنه.

وبعدها عاد لقيادة السيارة وانطلق بها بسرعة، أفاق عمر سريعًا، وساعده المارة على القيام، وأخذ ينظر نحو السيارة المنطلقة في غيظ وهو عاجز أن يفعل أي شيء يهدئ من غيظه، وكان الصداع لا يزال مؤثرًا عليه، فذكره بموعده مع المعلم فرج، وبدأ السير نحو الحديقة.

 

وهناك دخل من الباب، وانطلق نحو الطرف الآخر من الحديقة حيث الخرابة، لكنه مر بالملاهي الصغيرة في منتصف الحديقة، فتمهل قليلاً يشاهد الأطفال وهم يتصايحون في سعادة فوق الأراجيح، وهم يضحكون أثناء قيادتهم للعربات المتصادمة، ابتسم، ثم عاود السير على أثر الصداع، ثم تمهل، ثم ابتسم، ثم توقف، نظر في ساعته فوجد أنه وصل قبل الموعد بعشر دقائق فحجز دورًا في السيارات المتصادمة، ورغم الزحام عليها إلا أنه استطاع أن يدفع أحد الأطفال بعيدًا ويأخذ سيارته التي بدأ يدور بها في كل الاتجاهات متجهم الوجه، وكان يصطدم بها في كل من حوله متعمدًا وهو يضغط على أسنانه بقوة وغيظ.

انتهى الدور فلم يخرج من السيارة، وأعطى مزيدًا من المال للمسئول، وعاد للقيادة من بعيد، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة استهانة بالأمر، والأطفال من حوله يتصايحون، ثم اصطدم به أحد الأطفال من خلفه فارتج جسمه، فالتفت للطفل في غضب فوجد الطفل يضحك ضحكة جميلة من القلب وهو يرفع يده الصغيرة أمام وجهه ويقول: آسف يا عمو، دار بسيارته ليرتطم بسيارة هذا الطفل انتقامًا إلا أن الطفل الماهر أفلت منه، وهو يضحك ثانية، ويقول: كان غيرك أشطر انتهى الدور قبل أن ينتقم.

 

وخرج الطفل من سيارته، ثم اتجه نحوه وهو ما يزال جالسًا في سيارته وقال: اللعبة جميلة جدًّا يا عمو، أنت محتاج تتعلمها الأول ثم طبع قبلة على وجنته، فهدأ غيظه فجأة، وابتسم، ثم أعطى المسئول مالاً من جديد، وعاد للقيادة، ولكنه هذه المرة أخذ يدور بعيدًا عن الأطفال، وينطلق بسرعة متنفسًا بعمق ذلك الهواء الضارب في وجهه،ومغمضًا عينيه كأنه يريد الاستمتاع بكل ذرة هواء تدخل رئتيه.

وهناك في الخرابة ظل المعلم فرج منتظرًا حتى ملّ وذهب، أما عمر فقد نسي المعلم فرج، ونسي صداعه، وأخذ يدور بعربته، وأخرج هاتفه وحادث طفله، وطلب منه المجيء إلى الحديقة، وأخذ يدور بالعربة حتى جاء الطفل، فأخرج من جيبة كومة من المال المليئة بأوراق فئة المائة جنيه، وأعطاها للمسئول كي يتجول وطفله بحرية بعربتهما، وأخذا يدوران بالعربتين ويضحكان من القلب بقهقهة لا نهائية، وعمر يرفع رأسه نحو السماء وهو منطلق بسرعة ناظرًا نحو القمر الذي شعر كأنه يراهللمرة الأولى ، وأخذ يدور وطفله خلفه، وشعاع القمر يداعب وجهيهما بقبلاته إلى أن أعلن المسئول انتهاء اليوم، فقفزا من عربتيهما وتحاضنا، وطبع الطفل قبلة على وجنة أبيه الذي حمله، وسارا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد