قريبا سنشاهد على وسائل التواصل الاجتماعي وسمًا «هاشتاج» بعنوان لا تتفاعل مع الأقصى أنت غير مفيد، وستخرج مظاهرات مناهضة للمتظاهرين ضد الاحتلال يرفعون فيها شعارات من نوع إسرائيل واقع وأنتم مجرد ظواهر صوتية، وستؤلف كتب تدعونا لعدم نشر صور الأقصى فهي تشكل مصدرا للتطرف، وستكتب مقالات تحثنا على الامتناع عن الاستماع للأناشيد الحماسية لأنها تصرف نظر الشعوب عن قضاياها المصيرية، وسنسمع خطبًا تدعونا لنبذ الافتخار بالشهداء الذين يسقطون دفاعًا عما تبقى من فلسطين ونعوضهم بأبطال أراب أيدول.

لقد أصبح التهكم على انفعال الشعوب من أجل مقدساتهم ورموزهم، موضة لدى هؤلاء الذين يظنون أنفسهم أكثر ذكاء وواقعية، فتراهم يتصيدون كل الواقفين في مواقع تغيظ الصهاينة ليحطو من همتهم، فإذا تضامنت مع أسير مضرب عن الطعام سألك هل ستملأ كلماتك أمعاءه الخاوية! أم ستصيب دموعك أغلاله بالصدأ! يظن هذا البرج الموزع لشبكة اليأس صاحب العقل الفارغ الصدئ أكثر من بطن أسير وأغلاله أنك أحببت القيق كما أحب هو ميسي أو بطله الخيالي من سلسلة تليفزيونية، هو لن يفهم أبدا أننا كالجسد الواحد قد يصاب أحد أعضائنا بالمرض فإذا عجزنا عن معالجته، الألم الذي سيوقد داخلنا لن يكون صدقة أو هدية بل قانونًا فيزيولوجيًا يعني أننا لازلنا أحياء.

عندما أغير صورتي في مواقع التواصل الاجتماعي، عندما أكتب لبيك يا أقصى، لا تمثل دور الطبيب الحكيم و تسألني لماذا أفعل هذا لأنها ردة فعل، ومن الجهل أنك لا تعرف أنها لا إرادية هي فقط تشير إلى أن جهازي العصبي بخير، وليس واقعا تحت تأثير المهدئات والعقاقير المخدرة، صدقني أنت المريض هنا لذا أنصحك بعرض نفسك على مختص ليدرس ردة فعلك التي أصبحت مضبوطة على ردود فعلنا نحن لا على أفعالهم، ثم لماذا لا توسع دائرة معاركك لتشمل أولئك الذين صبغوا صورهم بألوان قوس قزح تضامنا مع المثليين أو بني جلدتنا ممن تفاعلوا مع je suis paris أم أن عقدة النقص التي تعانيها تجاه كل ما هو غربي تلجمك.

المهووسون بنظرية المؤامرة كل من ينتمي لهذا الفيلق يمكنك أن تتوقع منه كل التحليلات، بالنسبة له اللانتفاضة من أجل الأقصى مسرحية، الحرب على غزة تمثيلية بإمكان فيديو من عشر دقائق على يوتيوب إقناعه بأن القدس ليست موجودة أصلا بفلسطين، يغفل هؤلاء الخبراء الاستراتيجيون أنهم جزء من خطة تعمل على دفعنا للتصديق أننا مجرد بيادق، لكن كيف سنصدق هذا ونحن نقرأ قوله تعالى ‏«وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ‏»‏.

نوع آخر من الكائنات العبقرية أصبح يطفو فوق السطح، تبزغ مواهبه إذا لاحظ حماسك وأنت تستمع لقصيدة من نوع يا مدرك الثارات أدرك ثأرنا، فيستدعي سون تزو مؤلف كتاب فن الحرب النائم داخله، ويحثك على أن تستثمر وقتك في تعلم اللغة العبرية فمن تعلم لغة قوم أمن شرهم، عوض الانشغال بأشعار تميم البرغوثي ومؤلفات غسان كنفاني وأدهم شرقاوي، ولو وجدك تتعلم العبرية لنصحك بتعلم الإنجليزية لأنها لغة عالمية، أما لو ضبط اغنية ديسباسيتو في سماعاتك فسيتلبسه جستن ببير ويكرر كالببغاء أن هذه الأغنية أنقذت بورتوريكو من الإفلاس.

ويوجد نوع آخر من الأشخاص السذج، الذين حتى وإن كانت كلماتهم تبدو أنها مقتبسة من تصريحات أفيخاي أدرعي، لن أتهمهم بالعمالة سأكتفي بإلقاء اللوم على من ملأ أرواحهم بالسواد، فحولهم لبنادق صيد تطلق النار على الأحلام برصاص التشاؤم، أتمنى من هذه الفئة أن يزنوا الكلمة قبل أن يلقوها فهي إذا خرجت قد تتسبب بوأد مشروع أو إجهاض مبادرة ولا أعرف دية لمن قتل فكرة، وسأختم كلامي فأقول: «قل خيرًا أو اصمت».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد