كل يوم يمر على تلك البلد التعيس من انتهاك صارخ لحقوق الإنسان ينتاب كل صاحب قلب صدمة جديدة.

فلك أن تتخيل أن شباب في عمر الزهور يقضون أسابيع وسنوات وأشهر في الزنازين التي بنيت من أجل المجرمين لا لذنب قد اقترفوه، ولكن لأنهم وفقط أبدوا رأيًا مناهضًا للاستبداد. لم يرتكب هؤلاء الشباب جرمًا غير أنهم أرادوا وطنًا بلا تعذيب.

لا أعلم أي ضابط هذا الذي ألقى القبض عليه، أين كان ضميره وقلبه وعقله؟ أي قاضي وأي وكيل نيابة الذي أمر بحبسه كل تلك الفترة؟ وأي قضية تلك التي تحال إلى أمن الدولة بعد عامين من الحبس الاحتياطي؟ وهل حقًّا أجرم هؤلاء الشباب لأنهم طالبوا بوطن حر؟

لم أرَ في حياتي استبدادًا فجًّا بهذا القدر، فشاب يسجن لأنه دون على (تيشرته) (وطن بلا تعذيب).

هل التعذيب بات قضية أمن قومي ورفضه بات خيانة للوطنية المصرية؟ هل كانوا سيمنحونه جائزة الدولة لو دوّن على (تيشرته) وطن من أجل التعذيب؟ وهل هي حكومة سادية بات التعذيب هو متعتها الوحيدة؟

الحكومة التي تدعي الفضيلة ويحضر رأس السلطة التنفيذية كل المراسم الدينية للمسلمين والمسيحيين، وتعذب شرطته في نفس تلك اللحظة المواطنين.

مشهد عبقري جسده فيلم (درب الهوى)، كل أبطاله هم واقع حالي اليوم.

حسن عابدين الباشا الوزير رئيس حزب الفضيلة الذي يدعو في كل مؤتمراته إلى إغلاق بيوت الدعارة، يذهب إليها خلسة في المساء من أجل هواه، لم يكن شخصًا حتى طبيعيًّا، كان يطلب فقط أن يتم إهانته وضربه من قبل فتيات الليل كانت تلك هي متعته.

ومحمود عبد العزيز بلطجي درب الهوى، وقواد فتيات الليل الذي كان يشعر بالعار وهو صغير بسبب أمه فتاة الليل، ويبكي وهو يرى كل طفل مع أمه التي تمارس البغاء ويتذكر أيام طفولته ليجسد دور الشعب المغيب الرافض للخروج من تلك الظلمة، رغم أنه يعلم أنها ظلمة وأن النور وإن كان بعيدًا ما زال متاحًا.

وفاروق الفيشاوي الذي جسد دور (الحلنجي) يرقص على كل الحبال ويتلاعب بكل من تقع في حبه من النساء، يهوى فتيات الليل فهن من ينفقن عليه ويعشم الجميع بالحب ويرافق بنت الباشا الوزير وخطيبة صديقه الذي يدعي الإخلاص له هو نفس الدور الذي يلعبه الأفاقون الراقصون اليوم على كل الحبال.

وتلك الفتاة التي كرهت عيشة الحرام التي أجبرت عليها كي تطعم أهلها عقب سجن شقيقها الأكبر، وفشلت في الخروج منها فهناك طرق خاطئة حينما تريد الخروج منها ربما لا تجد من يساعد فتزداد أقدامك غرسًا في الطين المبلل بالمال الحرام، حتى أخيها حينما خرج من السجن كان أول رد فعل له هو قتلها دون حتى أن يفكر ولو للحظة أن يسألها لماذا فعلت ذلك فتلك الفتاة التي عوقبت مرتين.

الأولى: يوم أن دخل أخوها السجن وتركها وأمها وإخوتها في العراء لتنهش كلاب السكك في لحمها ولأنها فتاة فقيرة لم تعد تملك إلا جمالها ليكون مصدر رزق لأشقائها.

الثانية: حينما قتلها أخوها بدلًا من أن يعتذر لها ويحتضنها ويخرجها من ذلك الطريق التي تورطت فيه أقدامها.

تلك الشخصية العبقرية التي جسدتها الفنانة يسرا جسدت وبشكل حقيقي طائفة من المواطنين يدفعهم المجتمع بتزمته وقسوته إلى البغاء، وما أكثر الباحثين عنه في مجتمعاتنا المكبوتة.

ومديحة كامل التي جسدت دورًا لا يقل عبقرية عن الدور التي قدمته الفنانة يسرا، حيث جسدت هنا تلك الفتاه التي أغراها جمالها وما زالت في الانتظار لذلك الشاب الذي يقتنصها من ذلك المكان المشين التي غرست فيه أقدامها، ولكنها بقيت تنتظر فتى أحلامها في مكان لا يدخله إلا الموبؤون حتى جاءها أحمد ذكي ذلك الشاب المثقف نجل أخت معالي الوزير مدعي الشرف والفضيلة وخطيبته نجلة ذلك الوزير (التيت) ذهب في المساء إلى عشقيها النصاب فاروق الفيشاوي.

ذهب الشاب المثقف إلى هذا المكان ليس بحثًا عن الهوى ولكن بحثًا عن موضوعات وشخصيات يضيفها إلى بحثه عن بيوت البغاء ليكتشف ما لم يتخيل يومًا أن يراه.

ليجسد أحمد زكي دور الثائر المثقف الرافض للواقع السيئ، الذي صدم في صديقه الذي يخونه مع خطيبته التي خطبها أصلًا بناءً على رغبة والدها خاله الباشا ومجبرًا على ذلك، ويجد خاله نفسه مدعي الشرف والفضيلة سعادة الوزير وهو يضرب على ظهره بالكرباج مساءً بحثًا عن المتعة التي خيلها له ذهنه في تلك البيوت. ذلك هو الواقع المقيت الذي تعيشه مصر اليوم.

ورغم أن هذا الفيلم تم إنتاجه في عام 1983 ليناقش قضايا الدعارة في مصر إلا أنه لم يعرض إلا منذ وقت قريب، وكأنه يتحدث عن مصر اليوم ولكن بدون تقنين لبيوت الدعارة.

مسئول كبير يضرب بالكرباج على ظهره مساءً ويذهب إلى أماكن يتحدث عنها نهارًا بالسوء بحثًا عن الإهانة التي يبتغيها.

نعم هذه هي مصر اليوم. مجتمع سادي بات يتشبع على دماء غيره، مجتمع أغرق الدم كل جنباته.

طفل يسجن لأنه ارتدى (تيشرتًا)، وآخر لأنه حمل بلونة مدون عليها علامة رابعة التي ترمز إلى جماعة الإخوان، وفتاة تغتصب داخل إحدى سيارات جهاز الشرطة من قبل أمين شرطة، ورئيس يشكل لجان للفساد والانتقام من رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات الذي كشف عن فساد نظامه، طالب يلجأ سياسيًّا للولايات المتحدة الأمريكية بعد اضطهاد السلطات المصرية له لا لذنب اقترفه سوى أنه مخترع صغير، فهذا الوطن لم يعد للمتعلمين بل بات لا يستوعب كل من يحفظ لا يفهم فهذا هو الجيل الذي يسعى اليوم النظام الجديد لتربيته كما ربوا في السابق جيل النكسة والهزيمة والذل.

نظام يسجن كل من يفكر وإن كان طفلًا صغيرًا ويعتقد أن كل طفل يفكر هو خطر مباشر على أمن النظام هو نظام بات أقرب إلى السقوط من أي وقت مضى.

هذا النظام سيذهب إلى الجحيم وسيخرج هذا الشاب من سجنه ليكون واحدًا من مبدعين الثورة والثوار. ولن يخرج الشباب يومًا ليهتفوا مطالبين السلطة بتعذيبهم لأنهم استمتعوا بالتعذيب وتوحدوا مع الجلاد، كما فعل جيل النكسة في عام 54 حينما هتفوا تسقط الديمقراطية وتسقط الأحزاب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد