إنهم ضيوف على هذه الأمة، ضيوف ليسوا ككل الضيوف، إنهم ضيوف أضروا كثيرًا بمن استضافوهم، فضلًا عن أنهم قد أضروا بأنفسهم. لقد مر على استضافتهم 91 عامًا، لقد وصلوا إلى مرحلة الشيخوخة منذ عقود، غير أنهم لا يدركون هذه الحقيقة. إنهم الإخوان المسلمون، إنهم الضيوف الذين بضيافتهم خسرت الأمة كثيرًا، ويا ليتهم يعلمون. وأكررها مؤكدًا أن تفكيك هذه الجماعة قادم لا محالة.

فلقد مر 91 عامًا، على إنشاء هذا الفصيل دون أن يكون لوجوده أي دواعٍ، والتاريخ هو الذي يشهد عليهم بذلك، ذلك التاريخ الذي خطَّتْهُ أيديهم، ذلك التاريخ الذي لم يشهد لهم يومًا بأي إنجازات سياسية، حتى ولو بإنجاز واحد.

وإنني في هذه المقالة سوف أجيب عن سؤال هو من الأهمية والخطورة بمكان، ذلك السؤال الذي يتبادر إلى أذهان الكثيرين. ألا وهو: لماذا لم يحقق الإخوان المسلمون أي إنجازات على مدار تاريخهم؟ أسأل الله التوفيق والسداد.

في الخامس من أبريل (نيسان) 2006، نشر موقع محيط نت، تصريحًا للقيادي عصام العريان، يقول فيه: الإخوان في حاجة لفهم أطروحات سيد قطب في إطار فهم الشهيد حسن البنا، وإذا وجد اختلاف بين الشهيدين، فعلينا أن نتسلح بالشجاعة لكي نعتمد كلام حسن البنا، وليس كلام أي أحد آخر. وهذا دليل على أن المرجعية الأولى للإخوان المسلمين هو حسن البنا. ومن ثم أقول، إن جماعة الإخوان المسلمين لم تُبْنَ بناء متينًا على أرضية صلبة، بل إنها تأسست فوق أرضية هشة تشبه الرمال المتحركة. وذلك ما أسميه بالثغرات، وهي ثغرات عديدة متنوعة مدمرة، أذكر منها ما يلي:

– الثغرة الأولى، تتمثل في أن حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين «تلك الجماعة الدينية»، لم يكن عالمًا، وهذا كلام العلامة المُحدث، ناصر الدين الألباني في إحدى محاضراته عندما سئل عن البنا، فقال: حسن البنا لم يكن عالمًا، وإنه لم يكن إلا داعيةً، وأما كتبه فعبارة عن مجموعة من الرسائل. وأيضًا الشيخ مقبل بن هادي الوادعي، محدث اليمن، قال في شأن حسن البنا، وكان قد أثنى عليه من قبل: وكذا حسن البنا ما كنت مُلِمًّا بأحواله، وبعد قراءة ما كُتب في بيان أحواله، فإذا بالرجل مبتدع زائغ. «المخرج من الفتنة».

وبناءً على تأصيل الشيخين، أقول، هذه هي الثغرة العُظمَى التي أوقعت حسن البنا في العديد من الثغرات الكبرى التي عليها أسس جماعته. وها هي الجماعة تجاوزت التسعين من العمر، وقد أوشكت على الزوال دون أن تنجز أي شيء، ربما يكون قرار التفكيك الذي سوف يصدر من داخلها هو الإنجاز الوحيد.

– الثغرة الثانية، وهي ثغرة تُعَد انعكاسًا طبيعيًّا للثغرة الأولى، تتمثل فيما قاله الشيخ الألباني – رحمه الله- والشيخ الحويني – حفظه الله- وهو أن جماعة الإخوان تضم جميع الفرق الثلاث والسبعين، وكما يقول الحويني عن العضو الذي ينتمي للإخوان: الذي يدخل جماعة الإخوان يدخل بمعتقده هو؛ لأنه لا يوجد اعتقاد؛ ففيهم الصوفي، والقدري، والجبري، والعلماني، وكل الفرق الثلاث والسبعين موجودة معهم. انتهى كلامه.

وأقول دائمًا، إن كان ذلك كذلك، فكيف للرافضي أن يتفق مع صاحب المنهج السلفي والفكر الإخواني، وكيف لغلاة الصوفية أن يتفقوا مع التكفيري، وكيف للتكفيري أن يتفق مع المرجئة؟ وإن قال قائل: يكفي لهذا التجمع المتنافر أنه امتزج وانصهر كل تلك السنين في كيان واحد. فأقول، هو تعايش فقط وليس انصهارًا، وهذه الحال تجعل الزمام بيد الاتجاه المُتَغَلِّب، ومن ثم فلا قيمة للاتجاهات الأخرى، ومع ذلك فكل الاتجاهات تكتفي بأنها تسير في الركب، ولعل السبب في هذه التبعية، هو التأصيل والتقديس لمبدأ السمع والطاعة، وهذا المبدأ هو الثغرة الثالثة، وقبل الحديث عنها سوف أنقل هنا ما ذكره الشيخ سليم بن عيد الهلالي في كتابه، الجماعات الإسلامية في ضوء الكتاب والسنة، عن علاقة الإخوان المسلمين بالروافض، ونظرتهم إلى الفرق الأخرى، فيقول، ومما يؤكد التَّمَيع العقدي لدى الإخوان المسلمين واضطرابهم، علاقاتهم مع الشيعة الروافض، وموقفهم من ثورتهم البائسة في إيران. ثم يقول، ولقد بدأت علاقة الإخوان المسلمين مع الشيعة في عهد حسن البنا، فقد اشترك في جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية منذ أن تكونت، والتي ساهم فيها الإمام البنا والإمام القُّمِي، والتعاون قائم بين الإخوان المسلمين والشيعة، وقد أدى ذلك إلى زيارة الإمام نواب صفوي سنة 1954 للقاهرة. واستضاف (أي البنا) مراجع الشيعة وآياتهم للتقريب بينهم وبين جماعته، كما أخبر المرشد الثالث عمر التلمساني، وبلغ من حرصه على توحيد كلمة المسلمين، أنه كان يرمي إلى مؤتمر يجمع الفرق الإسلامية، لعل الله يهديهم إلى الإجماع على أمر يحول بينهم وبين تكفير بعضهم بعضًا، خاصة وأن قرآننا واحد، وديننا واحد، ورسولنا واحد، وإلهنا واحد. وأقول، والعجيب أن الروافض يقولون: لا يجمعنا بأهل السنة لا رب، ولا نبي، ولا كتاب!

وأيضًا سوف أنقل بعض آراء العلماء في جماعة الإخوان، والتي جاءت كالتالي: سُئِلَ الشيخ ابن باز – رحمه الله- عن جماعتي التبليغ والإخوان، فأجاب، التبليغ والإخوان من الاثنتين وسبعين فرقة. «أسئلة الطائف، تسجيل سنة 1419هجريًّا».

وقال العلامة المحدث محمد ناصر الدين الألباني، ليس صحيحًا أن يقال إن الإخوان المسلمين هم من أهل السنة، لأنهم يحاربون السنة. «تسجيلات منهاج السنة بالرياض».

وقال الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ: فإن من أبرز مظاهر الدعوة عند الإخوان المسلمين، التكتم والخفاء، وعدم إظهار حقيقة أمرهم، يعني، أنهم باطنية بنوع من أنواعها. «تسجيلات منهاج السنة بالرياض».

– الثغرة الثالثة، السمع والطاعة، ذكر أحد قادة النظام الخاص بجماعة الإخوان، علي عشماوي في كتابه، التاريخ السري لجماعة الإخوان المسلمين، أن الجماعة قد وقفت وقفةً شديدةً أمام فرقة الحشاشين انبهارًا من وصولهم إلى حد الإعجاز في تنفيذ آليات السمع والطاعة، وكيف كان الأفراد يسمعون ويطيعون حتى لو طُلِبَ منهم قتل أنفسهم. وأيضًا ذكر صلاح شادي أحد قادة النظام الخاص، في كتابه حصاد العمر، أن قيادات النظام كانت تأمر الأعضاء بسف التراب أثناء التدريبات، وكان الأعضاء يسمعون ويطيعون.

وأقول: بهذا المبدأ قد دمر البنا أتباعه تدميرًا، إذ إن إلغاء العقل وتعطيله يصنع إنسانًا ضعيفًا إمعة منقادًا بغيره، وهذا ما وقع فيه كل الإخوان المسلمين الذين انضموا إلى الجماعة منذ يوم تأسيسها حتى اليوم، ولا فرق بين قيادي وعضو، إذْ إن كل عضو ينتمي إلى الجماعة لا بد له من القسم على السمع والطاعة، ثم يتدرج على ما انضم عليه حتى يصير قياديًّا، وأتذكر ما قاله أيمن الظواهري في كتابه الحصاد المر، وهو أن جماعة الإخوان منذ نشأتها وهي تتحالف مع الطرف الأقوى، بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى. وأقول هم فقط يبحثون عن القوة، لشعورهم بالضعف، وهذا ما يقوله تاريخهم. ولكن كيف قاد البنا جماعته بهذه الطريقة؟ وما رد فعله حينما يعترضه أحد؟ أقول، بعد السمع والطاعة، كان لا بد للبنا أن يقضي على كل شيء يعترض هذا المبدأ مستقبلًا، فكانت الثغرة الرابعة.

– الثغرة الرابعة، عدم الإيمان بالشورى. فلقد ذكر عضو النظام الخاص بجماعة الإخوان المسلمين، الدكتور عبد العزيز كامل، أن حسن البنا لم يكن يؤمن بالشورى، وكان يراها غير ملزمة. وهذا الكلام يتفق تمامًا مع ما قاله ثروت الخرباوي، إذ تحدث عن وقوع خلاف بين البنا وبين عبد العزيز كامل في أمر من الأمور، فقال البنا لكامل: إذا تعارض رأيك مع رأيي، فدع رأيك إلى رأيي.

وأيضًا المستشار طارق البشري، نقل في كتاب تاريخ الحركة السياسية في مصر، ما قاله البنا في مذكرات الدعوة والداعية عن المخالفين، فقال: ويحكي المرشد قصة من عارضوه قبيل انتقاله من الإسماعيلية، إذ رأى تعيين نائب عنه عليهم، ففضلوا غيره لعلمه وتضحيته وجهاده، فلم يرِد أن يأخذهم بالشدة فصلًا أو إقصاءً، وناقشهم على أساس أن المرشد الذي يزكيه إنما يزكيه خضوعًا منه لرأي كثير من الأعضاء، لا صدورًا عن اختياره الشخصي. ويواصل، فطلب المعترضون، دعوة الإخوان كلهم؛ لأن الجميع لم يكونوا حاضرين وقتها، وليجري الاختيار أمام الجميع.

ويصف البنا ذلك بقوله، الواقع أن هذا المظهر كان جديدًا وغريبًا على أوضاع الإخوان، التي لم تعرف إلا الوحدة الكاملة والاندماج الكامل، فرأيُ أحدهم هو رأي جميعهم.

وفي حديثه -أي البنا- عن المخالفين له، يرى أن الشيطان هو من زين لهم ذلك. وفي حديثه عن هذا الاجتماع يشير إلى الخوارج، ووجوب أخذهم بالحزم، وإلى أن من يشق عصا الجمع «فاضربوه بالسيف كائنًا من كان»، ويعلق البنا على الأمر بقوله: لكننا تأثرنا إلى حد كبير بالنظم المائعة التي يسترونها بألفاظ الديمقراطية والحرية الشخصية، وما كانت الديمقراطية ولا الحرية يومًا من الأيام معناها تفكيك الوحدة والعبث بحرية الآخرين.

ويعلق المستشار البشري على هذا الكلام فيقول: وفي هذا ما يوضح أسلوبه ونظرته. إذ يُلقي اختياره الشخصي على عاتق الآخرين، ويعلقه في أعناقهم، ويحاول أن ينفذ مشيئته من خلالهم، ويواجه بهم المعارضين له. انتهى كلامه. وبناء على هذا أقول، إن كان ذلك كذلك، وإن كانت الشورى قد قُتِلَت بالسمع والطاعة، فلماذا سيفكر أي عضو منضم للجماعة؟ ما الداعي الذي يجعله يشغل عقله، ويبذل جهده، ويضيع وقته حتى يفكر في قضية من القضايا، أو أن يبحث عن حل لأزمة من الأزمات؟ فلا قيمة لرأي، ولا أهمية لفكر. وإن كان أعضاء الجماعة منذ البنا قد تربوا على هذه المبادئ، فأي شيء يُنتَظر أن يقدموه للجماعة أو لغيرها سوى الإضرار بأنفسهم وبغيرهم؟ وهذا ما أوقعهم في ثغرات أخرى عديدة لا تتسع المساحة لذكرها.

وأخيرًا: ولما أسسها البنا فوق هذه الرمال المتحركة، تمثل الهم الأول في النجاة لا الإنجاز، وهذا ما أثر تأثيرًا عظيمًا تسبب في السقوط في متناقضات عجيبة، أسميها الثغرات الصغرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

مقالات ذات صلة

بدر كانت أمة ج(2)
منذ يوم
تاريخ وفلسفة
لماذا تكرهون جوارديولا؟
منذ يومين
تاريخ وفلسفة