يقول الرئيس الأسبق محمد نجيب في كتابه كنتُ رئيسًا لمصر، سعيت لمقابلة مصطفى النحاس باشا «أحد زعماء حزب الوفد»، وكان ذلك عام 1929، بعدما حل الملك فؤاد البرلمان. يقول نجيب: سعيت لمقابلة النحاس لأقول له «الجيش وراءك» وتَحيَّنتُ الفرصة لذلك. يقول: ذهبت فعلًا إلى بيت النحاس باشا ولم أستطع الدخول بسبب ما كان يحيط بيته من مخبرين وبوليس، حاول نجيب الوصول للنحاس ولم يستطع، يقول، فذهبت إلى البيت المجاور وارتقيتُ سطحه، «ونطيت على بيت النحاس»، فلما وصلتُ إليه وجدته يجلس مع مكرم عبيد ومحمود فهمي النقراشي، فلما رأوني فزعوا، فقلتُ لهم أنا أحمل إليكم رسالة من الجيش، الجيش مستعد لتنفيذ أي أمر تصدرونه وسيكون أسرع من عود الكبريت في الاشتعال. فقال النحاس باشا لنجيب: كيف؟ فقال نجيب: نريد أن تقتحموا البرلمان وتدخلوه بالقوة. «ويكون هذا في حماية الجيش». فقال النحاس باشا: أنا أُفضِّل أن يكون الجيش بعيدًا عن السياسة.

وبعد أن تعرفنا على رأي النحاس باشا في قضية استدعاء الجيش سياسيًّا. سوف أتناول الطريقة التي بها استدعي الجيش سياسيًّا، وذلك بعدما أسس حسن البنا تنظيم الضباط الأحرار. وهذه الحقيقة ليست من كلام خصوم جماعة الإخوان، وإنما هذه الحقيقة أوردها الإخوان المسلمون أنفسهم في كتبهم، ككتاب سراديب الشيطان لأحمد رائف، الذي نص صراحة على أن الإخوان هم من أسسوا هذا التنظيم. وأيضًا كتاب صفحات من التاريخ، حصاد العمر لصلاح شادي، هو أحد قادة النظام الخاص لجماعة الإخوان.

يقول، لقد بدأ ظهور حركة الإخوان داخل الجيش في سنة 1938، حينما نشطت صحيفة الإخوان «النذير» في مناقشة قضايا الجيش جنودًا وضباطًا. ثم يقول شادي، وهكذا فكر حسن البنا في إنشاء قسم الوحدات العسكرية، للإخوان في أوائل الأربعينيات.
وأقول، لم يكتف الإخوان المسلمون بتأسيس ذلك التنظيم فقط، بل إنهم جاءوا بمن يقوده حتى يصل به من خلالهم إلى الحكم. وأقصد هنا البكباشي جمال عبد الناصر.

فعن علاقة جمال عبدالناصر بالإخوان وانضمامه إليهم، يقول صلاح شادي: مَرَّتْ صلة جمال عبد الناصر بالإخوان المسلمين بثلاث مراحل.

الأولى: بعد عودته من العمل في السودان عندما اتصل به الضابط عبد المنعم رءوف لضمه إلى جماعة الإخوان، وعَرَّفَه حينذاك بعد الرحمن السندي «قائد النظام الخاص للجماعة» وذهب عبد الناصر لعقد البيعة، وكانت عادة السندي في أخذ البيعة أن يجريها في غرفة مظلمة، إذ يقسم الأخ الجديد على المصحف والمسدس.

بعدها كان عبد الناصر يقوم بتدريب الإخوان المسلمين على استخدام السلاح.

المرحلة الثانية: من علاقة عبد الناصر بالإخوان، كانت بعد تعرفه الوثيق بالصاغ محمود لبيب «وكيل الإخوان» سنة 1944، فكلف محمود لبيب عبد الناصر بأن يكثف نشاطه داخل الجيش.

المرحلة الثالثة: كانت في نهاية 1950. في أثناء مرض المرحوم محمود لبيب، الأخير.

وهكذا يتضح لنا أن من استدعى الجيش ليتدخل في السياسة هم الإخوان المسلمون، وذلك في الوقت الذي رفض غيرهم هذا التدخل من أجل موقف لا من أجل حكم، كما أخبر بذلك محمد نجيب. وبعد أن رحل الملك فاروق عن مصر، وبعد أن وقع الصدام ما بين ناصر والإخوان، بحثت جماعة الإخوان عن مشجب تعلق عليه فشلها.

لقد أرجعوا كل الأحداث والصدامات التي وقعت، إلى الخداع الذي قام به جمال عبد الناصر. وسوف أستشهد هنا بما نقله أيمن الظواهري في كتاب «الحصاد المر»، إذ يقول ناقلًا عن صالح أبو رقيق الذي نقل ما دار في إحدى الجلسات التي جمعت قيادات الإخوان بعد رحيل الملك فاروق: وعند ما وصلنا، ودخل عبد الناصر وصافح المرشد، فوجئت به يقول للمرشد: «قد يقال لك إن احنا اتفقنا على شيء، إحنا لم نتفق على شيء».

وكانت مفاجأة، فقد كان اتفاقنا أن تكون الحركة إسلامية ولإقامة شرع الله، واستمرت المقابلة في مناقشات أنهاها المرشد بقوله لجمال عبد الناصر: اسمع يا جمال، ماحصلش اتفاق، وسنعتبركم حركة إصلاحية، إن أحسنتم فأنتم تحسنون للبلد، وإن أخطأتم فسنوجه لكم النصيحة. وانصرف جمال. وقال لنا المرشد وكأنه كان يستطلع الغيب: الرجل ده مافهش خير، ويجب الاحتراس منه.
ويذكر فريد عبد الخالق رواية قريبة من تلك، ولكنه يقول إن تاريخ اللقاء كان في 30 يوليو (تموز) 1952، ويصفه بأنه أول شعور بخيبة الأمل.

ثم يقول الظواهري: ومع كل هذا، ومع أن الثورة لم تخط أي خطوة جادة نحو التحول الإسلامي – بل لم يكن لها أي فكر محدد إلا مجموعة من الشعارات التهريجية- فقد استمر الإخوان في تأييدها وخداع الناس وخداع أنفسهم أن هذه هي حركتهم.

وأقول لقد عرف الإخوان جمال عبد الناصر على مدار 10 سنوات تقريبًا، حتى جاءت حركة أو ثورة يوليو. كيف لم يستطع الإخوان معرفة شخصيته؟ ثم الإخوان هم الذين أسسوا تنظيم الضباط الأحرار، ولقد استطاع جمال عبد الناصر أن يسيطر على هذا التنظيم بتصريح وعلم قيادات الإخوان. أقول ذلك لأن جل مؤرخي الإخوان المسلمين، في كتبهم يعلقون فشل الجماعة على خداع عبد الناصر لهم، وأنه استغل الانقسام الذي وقع داخل الجماعة بعدما تولى الهضيبي منصب الإرشاد. وأقول: ولنفترض حدوث ذلك! فأين كانت عقولكم؟!

وبناء على الحقيقة التي تقول، بأن الإخوان المسلمين هم من أسسوا تنظيم الضباط الأحرار، أقول، إن كل مَن حَكم مصر منذ الخمسينيات حتى يومنا هذا، هو من إهداء جماعة الإخوان للشعب المصري. فهم الذين أسسوا للحكم العسكري في مصر منذ عصر جمال عبد الناصر.

وأخيرًا، في كتابه النقط فوق الحروف، يقول أحمد عادل كمال، أن سيد قطب كتب يقول، بعد الإطاحة بالملك، وذلك في جريدة الدعوة في عددها 76 الصادر في 29 يوليو 1952:

المُلْك اليوم لله الواحد القهار

إنه شعور غريب يصعب تصويره في الألفاظ، ذلك الشعور الذي استولى على نفسي وأنا أستمع إلى النبأ الأخير، إنه مزيج من مشاعر كثيرة، إنها هزة عميقة لا يكاد يحتملها كياني، إنها دموع حبيسة تريد الانطلاق، إنه فرحٌ غامر وإنه وجوم مدهوش، ثم وجدتني، وبشعور دافق قاهر، أتوجه إلى القبلة أصلي، ففي هذه الصلاة وجدت نفسي وفي هذه الصلاة وجدت أمني، وفي هذه الصلاة سكتت دموعي وسكن جأشي، شكرًا لك يارب شكرًا لك يا الله.

واليوم تلح على لساني وجناني تلك الكلمات الخوالد، فما أجد لنفسي عنها حولاً: الملك اليوم لله الواحد القهار.

ويفد عليَّ الكثيرون ليقولوا: إن البطل محمد نجيب رجل مؤمن مسلم، وإن أعوانه الأبطال كانوا يحملون المصاحف وهم يقومون بمخاطرتهم العظمى في سبيل الوطن، وأقول ما كان لهذه الحركة أن ينهض بها إلا الإيمان. الإيمان بالله. الإيمان بقوة أكبر من قوة الأرض. قوة أكبر من الجبابرة والطغاة.

وأخيرًا، بعدما قال سيد قطب كلامه هذا بسنوات قليلة، وصف قيادات جماعة الإخوان بالضحالة الفكرية. وهذا ما نقله عنه الدكتور عبد العزيز كامل في مذكراته.

وأيضًا جل مؤرخي جماعة الإخوان، في كتبهم التي تحدثت عن الفساد في عصر فاروق، اتفقوا على أنه كان أفضل من عصر عبد الناصر، وعبد الناصر كان يومًا من قيادات تلك الجماعة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
s