أما الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما فقد بشر النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله سيصلح به بين الأمة: (إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ). وكان هو – رضي الله عنه – من ثبت معاوية في الحكم حين تنازل له بعد مقتل أبيه على أن يكون الأمر بعده للحسن وبعد الحسن يعود الأمر شورى بين المسلمين. وكان هذا الصلح هو ما منع تقسيم الدولة الإسلامية الناشئة إلى دولتين واحدة في العراق والأخرى في الشام كما حقن دماء آلاف المسلمين وجعل الدولة الإسلامية الناشئة توجه جيوشها لاستكمال الفتوح الإسلامية في شرق الأرض وغربها ولم يلتزم معاوية بالاتفاق، وبعد وفاة الحسن – رضي الله عنه – وأخذ البيعة قسرًا لابنه يزيد.

وأما الحسين بن علي بن أبي طالب – رضي الله عنهما – فقد رفض ولاية يزيد والاستبداد بالحكم وتعطيل الشورى، فلما دعاه أهل العراق خرج إليهم مع أهله، ولكنهم خذلوه وتخلوا عنه فقتله عبيد الله بن يزيد عامل يزيد بن معاوية.

ونحن نحب ونجل الحسن والحسين ونقتدي بهما لأنهما أبناء النبي صلى الله عليه وسلم وقال عنهما: (الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ). وقال أيضًا: (مَنْ أَحَبَّهُمَا فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَبْغَضَهُمَا فَقَدْ أَبْغَضَنِي) كما أننا نصلي على محمد وعلى آل محمد في كل صلاة خمس مرات على الأقل في كل تشهد.

أما الشيعة فيبالغون في الحسين – رضي الله عنه – ويتوسلون به إلى الله، بل هم يتوسلون إليه دون الله فترى كثيرًا من راياتهم وقد كتبوا عليها يا حسين، ويضربون أنفسهم، ويلطمون وجوهم حزنًا على مقتله، أو ربما ندمًا لأنهم خذلوه وتخلوا عنه، رغم أن من خذله كان سلفهم، ولن يحاسبهم الله على خذلانه، ولن يحاسب أهل السنة لأن عامل يزيد قتله، ورغم أن عليًا – رضي الله عنه – قتل أيضًا، إلا أنهم لا يحتفلون بقتله، كما يحتفلون بمقتل الحسين – رضي الله عنه – عنهم جميعًا. وكذا الحسن – رضي الله عنه – قيل أنه مات مسمومًا، وقيل أن لمعاوية يد في ذلك، ولكن الشيعة لا يحتفلون بموته أيضًا ربما لأنه تنازل لمعاوية وهو وحده من ثبت حكم معاوية.

تنازل الحسن ر- ضي الله عنه – وهو أفضل من معاوية وأحق بالخلافة، ولكنه حقن دماء المسلمين وحفظ دولتهم الوليدة ومقابل ذلك ثبت حكم معاوية.

فخلافة معاوية ثبتت بإجماع المسلمين وبيعة آل البيت له، ولكن معاوية حولها من خلافة راشدة إلى ملك عضود وهو أول من سن البيعة الشكلية ذلك بأنه أخذ البيعة قسرًا لابنه يزيد وهدد الناس بالسيف لمن لم يبابع وأنهى عهد الخلافة الراشدة الذي كان أقرب للمدينة الفاضلة حيت تمتع المسلمون كل المسلمين بحقوقهم لا فرق بين عربي ولا عجمي ومع ذلك ورغم أنه أول الملوك في الإسلام، إلا أنه أفضلهم وفي عهده توسعت دولة الإسلام وبلغت دعوته آفاق الأرض.

أما في مجال الفقه السياسي فنتعلم من الحسن – رضي الله عنه – أنه آثر مصلحة الأمة، وحقن دماءها بتنازله عن الإمامة لخصمه، وفي ذلك جواز إمامة المفضول وجواز التنازل له إذا اختلت موازين القوة أو كان في ذلك مصلحة الأمة. وأما الحسين فقد رفض الظلم والاستبداد وتعطيل الشورى فخرج على يزيد ليكون مثلًا لكل من يتصدى  لجور الحكام واستبدادهم وظنه أن لديه القوة الكافية من أهل العراق للتصدي للاستبداد بالأمر وتعطيل الشورى.

ما أحوج المسلمين اليوم لاستخلاص العبر من تاريخهم بدلًا عن الجدال حول من كان أولى بالإمامة وذلك جدل لن يغير التاريخ. أولى بالمسلمين أن ينقاشوا المآسي التي حلت بهم وبحضارتهم نتيجة لتعطيل الشورى. وأولى بهم أن يناقشوا كيفية إعادة وتفعيل نصوص الشورى والاقتداء بسنن الخلفاء الراشدين وآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. أولى بهم أن يناقشوا كيفية بناء نظام سياسي إسلامي يجعل الشورى والعدل فريضة ويجعل الأمة فوق الإمام ويعطي الأمة حقوقها في مواجهة أولي الأمر.

يجدر بالمسلمين بدلا من التناحر حول من كان أولى بالإمامة في عصر قد ولى ولن يعود أن يناقشوا كيفية تمكين الأمة من إختيار أئمتها ومحاسبتهم ومراقبتهم وعزلهم إن هم استحقوا العزل، وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ.

أولى بالمسلمين مناقشة حقوق الأمة تجاه ولاة الأمر (وليس فقط حقوق ولي الأمر في الطاعة) ومناقشة الحريات العامة والخاصة وحرمة دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم ومساكنهم وغير ذلك وأن يُفَعِّلُوا أمر الله لولاة الأمور: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ. ثم بعد ذلك يناقشون الآية التي تليها: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا.

أولى بالمسلمين مناقشة أسباب تخلفهم عن غيرهم في مجالات التعليم والصناعة والدفاع والسياسة ولماذا سبقهم غيرهم وتقهقروا؟

إن مناقشة من كان أولى بالخلافة لن يغير من الأمر؛ فقد انتهى عهد الخلفاء الراشدين، ودالت دولة بني أمية، وزالت دولة العباسيين، واختفى آخر أئمة الشيعة، وتم إلغاء آخر خلافة للمسلمين بإلغاء الخلافة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى.

والآن ليست هناك دولة إسلامية تجمع المسلمين، بل هناك دول ودويلات رسم حدودها أعداء المسلمين وأمدوهم بالسلاح الذي يكفي ليتقاتلوا ويتناحروا، ولكنه لا يكفي لدفع أعدائهم وردعهم وإرهابهم.

أولى بالمسلمين مناقشة صيغة خلاقة للوحدة بينهم في ظل الدول القومية والوطنية القائمة، دون إقصائها، ودون أن تكون تلك الدول الوطنية عائقا أمام وحدة الأمة الإسلامية، ولنا أن نستفيد من تجارب غيرنا في الاتحاد الأوروبي وغيره لإيجاد صيغة لوحدة إسلامية جامعة تنهي التشرذم والتخلف الذي لحق بأمتنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد