قال ابن خلدون في الفصل الثالث والعشرين من مقدمته «إن المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده» والحقيقة أنها سُنة مؤكدة تتاورثها الأجيال البشرية فكلما تقدمت ثلة تبعها البقية (والسبب في ذلك أن النفس أبدًا تعتقد الكمال في من غلبها).

لا يقتصر الأمر على السلوك السياسي والعلمي وحسب، بل ينسحب الأمر على باقي تفاصيل الحياة الاجتماعية والنفسية، ولا يكون الغالب من عرق أو موطن آخر فقط، فالغالب هو كل من سبقَ أو تفوق في أمر ما، حيث لا يقتصر الأمر اليوم على الغرب الغالب والعرب المغلوب، فمن الأمثلة الأخرى «غني غالب، فقير مغلوب»، «جميل غالب، قبيح مغلوب»، وهكذا دواليك… وليس من الضرورة أن يكون بعيدًا أو قريبًا، قد يكون جارك وهذا موضوع حديثنا اليوم «تقليدًا ومجاراة من لا تنطبق علينا أحوالهم في معيشتنا والاحتكام له» كمن يلبس ثوبًا ليس بمقاسه إما كبيرًا يعيق حركته وإما ضيقًا يفضح سوء الاختيار.

قبل التشعب أكثر في الحديث لنتفق على مجموعة من الألفاظ الدائرة في إطار حياتنا اليومية (ستقول الناس كذا وكذا، سيظن الناس كذا، والناس فعلوا كذا يجب أن نكون بمستوى يليق مثلهم… إلخ)، هذه الكلمات وغيرها ليست كلمات عابرة وإنما نموذج حياة يضبط ويحكم سلوكياتنا اتساقًا مع ما يقوم به «الناس» وهنا تظهر جليًا قضية تقليد المغلوب للغالب، إذ نجعل خياراتنا محدودة فيما ينتجه الغالب سواء كانت صائبة أم خاطئة، تناسبنا أم لا.

النظرية قائمة على عقدة انتقاص النفس وتكبيلها بالماديات والمجاراة وصولًا للكمال أو «الغالب»، هذه العقدة أنتجت سجنًا كبيرًا اسمه «الناس والمجتمع» قد يدركه البعض والبعض الآخر لا يراه، لكنه بكل تأكيد يسكن في سجن الناس إذ تَرسخت عملية الأسر الجماعي الذي تعرضنا له في الممارسة الحياتية وهذا ما يسميه المحلل النفسي كارل جوستاف «اللاوعي الجمعي» الذاكرة الإنسانية النفسية منذ ولادتها، أي ما اكتسبت من المجتمع منذ ولادتك والذي هو إرث متوارث وسجن ترتفع أسواره كل يوم.

حسن هو أحد أبطال مسلسل «التغريبة الفلسطينية» وهو ثائرٌ استشهد في اشتباكات النكبة، المميز في هذا الثائر أنه صنع ثورة من نوع آخر عندما أحب فتاة يتيمة قَدِمت إلى قريتهم مع والدتها بعد أن طردها أهل والدها، عاشت تلك الفتاة «جميلة» وأمها بصورة منبوذة داخل القرية كونهم غرباء دون رجل، ومع ذلك لم يكترث حسن لما سيقوله الناس أو مختار القرية، بل أصر على موقفه بعد أن اعترض شقيقه الكبير طريقه قائلًا له إنهم غرباء ولا نعرفهم وليسوا من المستوى ثم صفع حسن على وجهه حتى يتوقف عن ذلك، فرد حسن قائلًا (بحبها لجملية اه بحبها وبدي أتزوجها وما يهمني شو بيقولو الناس) هذا الاختزال الدرامي من المخرج نموذج في غاية الفصاحة لمعالجة العادات البالية الظالمة «ثورة على السلوك» الذي شرحنا آنفًا كيف «صنعناه»، لكن على ما يبدو أننا نتأثر بالدراما ولا نفهم رسائلها.

الحقيقة الثابتة أننا جبناء لا نمتلك ما يكفي من الثقة بالنفس لدفن ما لا يصلح، نحن بحاجة إلى طلاق من هذه السجون والطلاق يحتاج إلى شجعان إلى فئة متهورة قادرة على اختبار رد فعل المجتمع ومقولة «الناس…» فئة لديها ما يكفي من الشجاعة للنظر في أعين الناس بندية ومساواة دون مماهاة أو تقليد.

أما لو سألنا أنفسنا ما هي العادات البالية التي خلقت السجون رفقة الظروف الأخرى، فالعادات البالية «هي كل ما يثقل الكاهل ولم يفرضه المُشرع».

فهل ثمة جيلٌ سيُقبِلُ إلينا نبادله سيئاتنا بحسناته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد