قد لا يجادل اثنان أن الدول المتقدمة لم تصل إلى الرفاهية والتقدم، إلا عبر الاحتجاجات ولغة الشارع، وحتى الآن مجرد تحرك للشارع ينتج عنه استقالات بالجملة جراء الضغط الرهيب من الشارع والصحافة على المسؤول السياسي؛ فيخرج صاغرًا غير مأسوف عليه.

في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحديدًا في المغرب، وهذا النموذج يسري على جميع دول المنطقة، أصبحت الدولة تملك مضادات الثورات والحراك الشعبي، فالاحتجاج يعد له ألف حساب ويطلب مجهودًا مضنيًا وقد لا يولد نتائج أصلًا، فما الطريقة إذًا لتحقيق المطالب دون دماء وعشرات الشباب في السجون؟

أسئلة يجيب عليها المواطن المغربي الذي اتخذ من المقاطعة حلًا للضغط على وحوش المحروقات والمواد الغذائية، هذا الحل لابد منه، وإن لم ينجح اليوم، فسينجح ولو بعد حين، اختيار شركات بعينها لم يكن اعتباطيًا، بل هو خيار إضافة أنه ليس له خلفيه سياسية، فهو اختيار لمن يملكون مفاتيح اللعبة.

من يعيش في هذه الدولة وينظر لأثمنة المواد الغذائية يخيل إليه أنها محاصرة، فيكفي أن يقوم الإنسان بجرد لأثمنة المواد الغذائية في دولة اوروبية مثل إسبانيا ويقارنها بالمغرب علما أن الحد الأدنى للأجور في إسبانيا مثلًا حوالي 900 يورو زائد التعويضات، وفي  المغرب 250 يورو!

من الطبيعي أن يشعر المواطن البسيط بالظلم والجور من هذه الأسعار وترك المواطن فريسة للشركات الخاصة، في ظل هذا الزخم الإعلامي التزم الجميع الصمت ممن يمثلون الأمة، ليس هذا فقط، بل خرج لنا وزير من المفترض أنه مجرد موظف لدى الشعب – خرج – يدافع عن رفيقه في الحزب صاحب إحدى الشركات التي تمت مقاطعتها وهي شركة للمحروقات، هي محاولة فاشلة من وزير حاول حصر المسألة في بعد سياسي أساسه صراع مع حزب هو في الأصل حليفهم في الحكومة، والحق أن المقاطعون لا تهمهم الحسابات السياسية بقدر ما تهمهم حماية جيوبهم من وحوش الوطن! ثم خرج مدير شركة للحليب يصف فيها المقاطعين بالخونة، والصمت رهيب جدًا من الجهات الرسمية.

وقبل مدة من الآن تم الرفع من الضرائب على الملابس التركية ذات الجودة العالية والأثمنة المناسبة ويا سبحان الله لقد تزامن ذلك مع افتتاح زوجة (ع. أ) صاحب الشركة المذكورة (مولاتها)، وذلك لبسط الطريق أمامها للسيطرة والاحتكار في هذا الميدان مجددًا،وحجتهم في ذلك دعم الشركات الوطنية، وأنا لا أعلم ماذا سيستفيد المواطن من شركات وطنية تنهبه وتحول أرباحها للخارج.

هي معركة يجب أن يقوم المغاربة فيها بكسر عظم الجشعين والمغتصبين لجيوب الشعب، ومهما يكن فهذا الأسلوب الناعم قادر على كسر شوكة أعتى الشركات دون مجهود يذكز، فأنت تقاطع من بيتك بما استطعت، سواء إعلاميًا أو ماديًا، هذه اللوبيات ليست سهلة وستفعل المستحيل حتى لا تكون الكلمة للشعب مما قد يمنحه امتيازًا في المستقبل، سيخونون المقاطعين وسيجندون الإعلام لذلك، لكن وعي المواطن كافٍ لضربهم في مقتل.

في صدر هذه المقاطعة يظهر معدن الإعلاميين الذين ينقسمون لثلاثة أنواع: النوع الأول يتحول إلى مرتزق ويقف مع الجهة الباغية التي تغتصب الضعفاء ليل نهار، والنوع الثاني من يظلون مع الراعي ويبيتون مع الذئب، مترددون رماديون تارة تحسبهم معك، وتارة تحسبهم عليك، والنوع الثالث يقف مع أبناء الشعب المقهور المنبوذ المظلوم، ليميز الله الخبيث من الطيب.

لكن هناك شيء آخر أكثر عمقًا، هناك توجهات متناقضة لكنها تتماهى مع حملة المقاطعة المباركة، فقد تجد إخوانيًا، سلفيًا، يساريًا، ملحدًا، مع المقاطعة، وقد تجد أشخاصًا من نفس هذه الفئات ضد المقاطعة، وهذه من النتائج التي تصنعها أحداث ونوائب الأيام.

فقاطعوا لعلكم تفلحون (وخلوه يريب).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد