منذ عام 1928م وحتى فترة قليلة انضم مئات الآلاف إلى جماعة الإخوان رغبة في خدمة مشروع لنهضة الأمة الإسلامية، لا حُبًّا في مال أو «نشوة» شهوة عابرة، هذا في الوقت الذي كانت الأمة كلها غارقة حتى الثمالة إما في الجهالة، أو الشهوات أو الخيانة من آسف. ولا حُبًّا في الجماعة/الوسيلة في خدمة الدين الحنيف، في المقام الأول، بل في الغاية كانت العمل لتمكين الحضارة الأصل في هذا الوجود.

من المواقف التي وقفتُ لها متألمًا، في وقتها، ما رواه الكاتب «صلاح عيسى» في كتابه «رجال ريا وسكينة ـ سيرة اجتماعية وسياسية»، وهي محاضر التحقيقات التي أُجريتْ حول القضية المعروفة، يروي «حسب الله» إنه أتى يوم عيد الفطر المبارك بامرأة من حي آخر، وكانت معها ابنتها الصغيرة، وركبوا «حنطورًا»، مركبة يجرها حصان يعرفها المصريون جيدًا، وفي الطريق كانا يتقاربان على نحو مخل، وبينهما الطفلة ذات التسع سنوات نائمة.

كان ذلك عام 1920م قُبيل سقوط الخلافة الإسلامية بسنوات قليلة، وكانت الأخيرة، شئنا أم أبينا قد كبرت وشاخت، لم يؤلمني الموقف في حد ذاته فقط، وإنما تذكرتُ آلاف فعلوا مثل هذه الأفعال، وكانوا «دعاة» إلى النار بأفعالهم، فماذا لما يكون الأمر في منظومة أهول «ريا» و«سكينة»؟ وقد كانتا ورجالهما يدفنون الضحية بعد نيل مأربهم منها أحيانًا، ثم يرتكبرون الفظائع في نفس الغرفة بعدها بفترة بسيطة على نحو أوضحه القاضي في حيثياته بإعدامهم.

فترة بالغة الإظلام على مصر والأمة كلها:

وقفتْ «ريا» على حبل المشنقة فقالت:

أنا بالصلاة على النبي (صلى الله عليه وسلم) قتلت 17 بيديّ هاتين لا 7 كما تقول الحكومة، وضحكت عليهم في 10!

أما من أغرب ما «تعرف» في حياتك أنه عن تشريح جثة «حسب الله» وجد الطبيب الشرعي في مجرى بوله «حيوانات منوية»، هذا بعد شنقه!

وهذا غيض من فيض من مصر التي وجدها الإمام «حسن البنا» عام 1928م، مصر التي تعود القهقرى الآن إلى نفس «التواريخ» من انهيار خُلقي وصل إلى الجيل الثاني من أبناء الجماعة، من أسف شديد، ومخالفات لهم يندى لها الضمير، إن كان حيًّا، وأفعال يصمت عنها مَنْ مِنْ المفترض أنهم بعض «قيادات»، فالبعض يقبلون ما لا يقبله عاقل شريف.

وما الإخوان إلا ترجمة لحال مصر على وجه خاص قبل الأمة!

1

إحصائية منذ أيام تقول إن «المصريات» من الفتيات والمتزوجات، لا الرجال الأكثر إقبالًا على مشاهدة مشاهد «الجنس» على «اليوتيوب» في العالم، ويلذ لهن رؤية هذا «الشذوذ»، أما الإلحاد فآخذ في الانتشار في البيئة المصرية «المؤلمة» اليوم، وبين الشباب أيضًا ينتشر «التنصير» من أجل قبول طلبات الهجرة إلى ألمانيا وغيرها، و«ديفيد كاميرون» في مارس (آذار) الماضي يصرح بوضوح إن بلده «مسيحي» أمام ما أسماه «الإرهاب» الإسلامي، أي أن العلمانية والليبرالية الغربية ما هي إلا أصنام عجوة يصدرها الغرب لنا لكنه لما يشعر بأنها «ستنقلب عليه» يأكلها!

وعلى الجانب الآخر المسلمون في مختلف دول العالم يتم ضربهم بقسوة وقوة فيما حالهم صار أكثر «قسوة» مما كان عليه أيام الإمام «حسن البنا»، فعلى الأقل حينها كان العدو الاستعمار واضحًا، ولم يكن أذنابه من بني جلدتنا المُسمِّين بـ«محمد» و«عبد الرحمن» وغيرهم، ولم تكن متطلبات الحياة المادية على مثل هذا النحو.

القوات الشيعية والحكومية العراقية تحاولان دخول «الفلوجة» المدينة العراقية لاستردادها من تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» فيما يقول المرجع الشيعي الأكبر في العراق «علي السيستاني» يجب على الشيعة والقوات الحكومية مراعاة آداب الجهاد، آداب الجهاد على المسلمين، وهل من تلك الآداب، حتى على غير المسلمين، ما سيفعله الشيعة من «بقر» البطون، واستحلال النساء والعجائز وكبار السن، وهذا حال أمة الإسلام، وأعرف بعض «المُتوهمين» الدفاع عن حريات هؤلاء بـ«أفواههم» «يستحلون» البلايا في نفس الوقت، وهم في معسكر تيار شريف، أو المفترض أنهم كذلك!

ثم يتم الإعلان اليوم الاثنين السابق لنشر المقال عن 400 جثة قتلها «تنظيم الدولة» برصاصة في الرأس، وفي المقابل يعلن المبعوث الأُممي لدى اليمن «إسماعيل ولد الشيخ أحمد» إن مفاوضات الكويت توصلت إلى حل يعيد «الأطفال» الأسرى لدى جميع جوانب القتال في اليمن إلى أهلهم، يحتجزون الأطفال أسرى، أهذا هو الإسلام؟ لتُفرج عنهم الأمم المتحدة!

2

ما كتب صاحب هذه المقالات مقالًا عن «الإخوان» في هذا الموقع أو غيره إلا و«أمله» أنهم سيراجعون مواقفهم بعده، ولكن يبدو أنه صدق وتمادى في الصدق الشاعر العربي القديم:

منىً إن تكن حقًا تكن أطيب المنى .. وإلا فقد عشنا بها زمنًا رغدًا!

كانت الجماعة وسيلة لنقل مئات الآلاف إلى طاعة الله، وكان الإمام «البنا» يتعمد أن يخرج ليدعو الناس إلى الله في المقاهي لا المساجد، فقد كان يعرف ان أهل المسجد «شاخوا» على تقبل دعوته، وروى أحد الذين حضروا أحد المواقف.

دخل، رحمه الله، مقهًا فأخذ بالجمر المستخدم في «النرجيلة/الشيشة» وألقاه على الجالسين فلما تعجبوا وهمّوا بالبطش به قال لهم:

ـ اسمعوا ثم افعلوا ما يطيب لكم!

ثم راح يحدثهم عن نار القيامة ونعيم الجنان حتى سلب عقولهم.

أين هذا من جماعة في النهاية صارت القيادة والرأس فيها يأخذ ما يرضى من القرارت بعيدًا عن «الصف» نفسه، وسل عن قرار النزول للرئاسة، وعن التربيطات للمكاتب الإدارية ومجلس شورى الجماعة، وليجب أحدهم فقط عن صاحب اختيار مكان رابعة للاعتصام، مع محبتي الشديدة لـ«رابعة العدوية» والمستبسلين فيها، صرنا نرقب جماعة يتعالى أفرادهم بالقرارت على بعضهم بعضًا، ومسئولون على مستوى متوسط يقولون الآن إنه ليس في الجماعة «مكان» لـ«اعتراض» و«معترضين». والذي لا يعجبه الحال فلـ«يغادر»!

3

الحقيقة الواضحة أن الله «يستبدل» بالفعل جماعة كنا نود أن تفيق من غفوتها التي طالت، ولكن يبدو أن لله سننًا كونية ينبغي الأخذ بها كاملة والسير في مضمارها حتى النهاية، فكما علمنا الرسول العظيم أنه يبعث الله على رأس كل مائة عام مَنْ يجدد لهذا الدين شبابه، وهو الدور الذي قام به الإمام حسن البنا، وإننا صرنا في انتظار مجدد آخر بمفردات هذا العصر والمواجهات التي تحكم بها الاحداث علينا.

فـ«صلاح الدين الأيوبي» سبقه «نور الدين محمود» و«عماد الدين زنكي»، ومع الفارق فما من مصلح في التاريخ على أي مستوى إلا وسبقته سلسلة من المصلحين مهدتْ وشذبتْ التربة، وجاء على «رأس» المهمة. وكذلك كل مجدد لهذا الدين العظيم.

إننا نخطئ خطأ مضاعفًا، على ما يبدو، لما نحاول الإصرار على وهب قبلة الحياة لجماعة الإخوان فيما معركة الحياة محتدمة، والأعداء يتكالبون للقضاء على الأمة، وصدق القائل كان العراقيون يطلبون النصرة من الجيش العراقي ضد الشيعة فصاروا اليوم يطلبون النصرة من الشيعة والجيش العراقي ضد التنظيم المُسمى بالدولة «داعش».

إن جماعة أرادها «البنا» مباركة فانشغلت عن مسارها بالخلافات والأخطاء والخطايا، فأفرخت، اليوم، طرفين ليس فيهما الذي هو أفضل من الآخر بل كلاهما أكثر سلبية وفشلًا، حتى بات الخائن العميل المندس يتقلب بينهما، يتسبب في فضيحة الطرف الأول المُدوية، ثم ينتقل إلى الطرف الثاني بمنتهى السلاسة، وهناك يرحبون بَمنْ أبلغ عن «صف» هو وهم في معسكر واحد، فيبلغ عنهم هم الآخرون فيمن هم يحتضونه نكاية في «إخوانهم».

لم يعد الأمر يتطلب إلا محاولات لإيجاد ثغرة ينفذ منها النور إلى العالم، طلبًا لمجدد جديد لأمر هذا الدين الحنيف.

كفى «تصنيمًا» لـ«الجماعة» فلوا أرادوا الخير لفهموا مما مضى، بل مما يحدث أمام أعينهم، ولحكموا عقولهم وضمائرهم، وإننا لن ننتظر جودو مع الروائي الأيرلندي «صمويل بيكت»، أو الحلم الذي لا يجيء، بل سننتظر تغييرًا عمليًا على الأرض يرحمنا من واقع بالغ المرارة، ومن خلافات مريرة ممن كنا نظنهم «قادة» للجماعة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد