لا شك أن الديمقراطية الحقة ترتكز على التعددية الحزبية، أحزاب تتنافس لخدمة الصالح العام بكل أطيافه، ويصبح الحزب الفائز بعد كل استحقاق انتخابي حزبًا للجميع، حتى لمن صوتوا ضده، وهذا ما نراه في جميع الدول التي تعيش الديمقراطية، لا بأس أن نحط الرحال بالمغرب و«ديمقراطيته» وتعدد أحزابه.

منذ خمسينيات القرن الماضي، بل منذ اللحظة الأولى التي بدأ فيها الاحتلال الفرنسي يركب قوارب العودة، أحكمت الأحزاب المغربية قبضتها على الساحة السياسية، لقد أقبل المغرب ساعتها على حقبة تملؤها الكثير من الوجوه الانتهازية التي أحاطت بالملك الحسن الثاني.

قد لا يجادل اثنان في أن الوقت الذي وضعت فيه المقاومة سلاحها أرضًا، لم تكن اللحظة المناسبة، لا نقصد هنا أن يحاربوا السلطات، ولكن كان لزامًا أن يطهروا الساحة أيضًا من الفاسدين الذين نهبوا وينهبون إلى يومنا هذا، وألا تكون واسطة بينهم وبين الملك آنذاك، والشروع في بناء الإنسان والدولة، ولعل ما يضرب أمنيتنا المتأخرة هو الوعي السياسي، الذي لم يكن متأتيًا لدى أجدادنا، وأغلبهم قضى نحبه وقليل من ينتظر، وبدلوا تبديلاً!

مر على الاستقلال الآن أكثر من 50 سنة، بالنسبة للأحزاب التي تناوبت على الحكومات لم تكن مدة كافية لنمرَّ إلى مصاف الدول المتقدمة نسبيًّا، في بلد له ثروات محترمة، أحزابنا عاشت الاستقلال وحدها، لقد استبدلنا استعمارًا باستعمار آخر، فعلى مدى خمسة عقود ما زالت الأحزاب تتنافس على الحقائب الوزارية والامتيازات، والمواطن لا وزن له في المعادلة.

وحتى لا نسقي الجميع بمغرف واحد؛ فلا بد أن نذكر بعض الاستثناءات، كانت بعض الأحزاب الشريفة التي وأدها عليِة الأحزاب، نقصد هنا حزب الاستقلال، ثم الأحزاب التي لحقت به ونافسته على الكعكة وكلها تقريبًا ولدت في البلاط، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، حزب التجمع الوطني للأحرار، وأحزاب دجنت مثل الاتحاد الاشتراكي.

ولقد عاش المغاربة فترة من الركود السياسي، وعدم اكتراثهم بالسياسة، واكتفوا بمشاهدة الانتهازيين وهم يتقاسمون ثروات الوطن فيما بينهم، جاء الربيع العربي وحمل معه رياح التغيير، دعا عاهل البلاد إلى تعديلات دستورية، لا بأس، لقد تعلقت آمال المغاربة على حزب لطالما شفى صدورهم وهو في المعارضة، ما أسهل أن تكون معارضًا!

بالنسبة للمغاربة؛ فالأحزاب الأخرى ميتة، وسيصوت على حزب رفع شعار قوي وهو «محاربة الفساد»، كسب العدالة والتنمية الرهان، مرت الولاية الأولى، حسنًا، لا شيء ملموس قد تحقق، ثم صوتوا لهم لولاية ثانية على مضض، لقد أصبح هذا الحزب مثل الأحزاب الأخرى، الكل يستفيد من الريع، إنهم لا يخدمون إلا أنفسهم، فالتشريعات التي تخدم الشعب تُترك في الرفوف، وبعضها يبقى لسنوات، أما يخدم مصالحهم مثل التقاعد، فبين ليلة وضحاها يمررونه لتستفيد بطونهم، ألا ساء ما يزرون!

نموذج آخر: في قانون المالية الأخير الذي صوت عليه البرلمان بغرفتيه، مرروا بندًا يمنع الحجز على أملاك الجماعات الترابية والدولة عمومًا، في حالة صدور حكم قضائي لصالح مواطن!

هذا النموذج يتحدى القضاء، ويجعله تحت السلطة التنفيذية، ويجعل الدولة غابة طالما أن القضاء غير مستقل بسبب هذه الأحزاب، التي من المفترض أن تسهر على الديمقراطية، ولكن لا حياة لمن تنادي.

لا أعلم ماذا سيحصل في المستقبل، ولكن الأكيد أن الشعب فقد الثقة تمامًا، وأي انتخابات قادمة ستشهد عزوفًا كبيرًا؛ فالشعب ليس لديه أحزاب تخدمه، بل فقط قطاع طرق ينهبون من جيوب الضعيف لتستفيد بطونهم السمينة، وهذا ديدنهم أكثر من نصف قرن، فكيف تحكمون؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد