تدجين الإنسان.. من «جمهورية» أفلاطون.. مرورًا بهكسلي وأورويل.. وفوكوياما.. إلى «أفيون» الشعوب.. والأجهزة الذكية!

فكرة أفلاطون

بدأت فكرة تفريخ البشر منذ حوالي 2400 عام عندما أخذ الناس في اليونان يبنون المجتمع على أساس ديمقراطي نظرًا لتكون المدن وتوسع التجارة والأعمال، وانتشرت آنذاك مهنة السفسطائيين لتعليم السياسيين فن الخطابة لجذب الناخبين. إلا أن الفيلسوف اليوناني الشهير أفلاطون (427-347) ق.م أراد أن يعيد السلطة لطبقة النبلاء وترتيب المجتمع على أساس طبقي كما جاء في كتابه «الجمهورية The Republic»، لكونه أحد أبناء الحكام فقد كان والده من سلالة ملوك أثينا. وكان أفلاطون يؤمن أن الصفات الحميدة يرثها الأبناء عن الآباء والجدود، أي أن الحكام لهم صفات خاصة يورثونها لأبنائهم الذين خُلقوا ليحكموا بعد التعليم والتدريب والتهذيب بالعدل. كما آمن علماء الدارونية الاجتماعية في العصر الحديث وعلى رأسهم الإنجليزي هيربرت سبنسر (1820-1903) صاحب فكرة البقاء للأصلح survival of the fittest بتوريث النبلاء صفاتهم الفذة لأبنائهم ولذلك يجب أن يكون الحكم لهم. وإضافة لتوريث الحكم لأبناء الحكام، وهم الطبقة الأولى التي تتكون من الساسة والعسكر، أصر أفلاطون أن تدين الطبقة الثانية وهم بقية الشعب بالولاء والطاعة للطبقة الأولى. ولهذا ألغى العائلة بجعل النساء والأطفال مشاعًا وألغى المُلكية الشخصية للحفاظ على الحكام والعسكر من «الفساد». وربما مهدت «جمهورية» أفلاطون للشيوعية الماركسية!

أفلاطون والدارونية الاجتماعية

المستبدون ذوو عقلية واحدة منذ بدء الخليقة، يجدون المتعة واللذة الطاغية في ممارسة الطغيان على البشر، إلا أن أساليب السيطرة على الناس لاستعبادهم تتغير من زمن لآخر. وما يهمنا اليوم هو مناقشة الاستبداد والاستعباد الذي مارسه ويمارسه البغاة في العصر الحديث. فالطغاة يريدون مواصلة نهج أفلاطون بطريقة مغايرة لما قصده الفيلسوف اليوناني، وتطبيق نظرية الدارونية الاجتماعية لهيربرت سبنسر وفرانسيس غالتون في أن الحكام والأثرياء والأصحاء وذوي البشرة البيضاء والعيون الزرقاء يورثون صفاتهم لأبنائهم، وأن التغيرات في البيئة لن تؤدي إلى تغيرات فيزيائية قابلة للنقل إلى الأجيال التي تليها كما أكد عالم الاجتماع الفرنسي جان بابتست لامارك! ويرى المستبدون وخصوصًا في الغرب أن تطبيق الدارونية الاجتماعية يحقق فكرة «الدولة العالمية World State» حيث ستحكم نخبة السلطة والمال التي تشكل 1% من سكان العالم نسبة الـ99% الباقية. وهذا ما يجري فعليًا الآن عن طريق تدجين الشعوب كما الدواجن في المزارع!

فكرة ألدوس هكسلي لتفريخ الإنسان

يعتقد البعض أن أفلاطون كان صادقًا في مسعاه، أي أنه قصد من وراء «جمهوريته» تحقيق العدل، حيث تقوم كل طبقة بواجبها فالحكام يحكمون، والعسكر يحمون الحكام والدولة، والقضاء يحكم بالعدل والطبقة الثانية كالفلاحين والحرفيين يؤدون واجباتهم أيضًا. إلا أن طغاة العصر من نخبة الثروة والسلطة يسعون لإقامة «الدولة العالمية»- دولة الأسياد والعبيد، دولة الطغيان والاستبداد بالسيطرة المطلقة على الشعوب بطرق علمية خبيثة. كما تخيلها الروائي والناقد الإنجليزي ألدوس هكسلي (Aldous Huxley (1894-1963 في روايته الشهيرة «عالم جديد جريء Brave New World» عام 1932. وهي من روايات الخيال العلمي طبعًا، ولكنها توضح سعي نخبة الثروة والسلطة للاستيلاء على العالم بالسيطرة على الإنسان حتى قبل ولادته. وتوقع هكسلي أن تحصل أحداث هذه الرواية في القرن السادس والعشرين. ويقول هكسلي في روايته إن البشر في الدولة العالمية World State أو الدولة المتحدة United State سيصنعون في أنابيب، أي بتلقيح البيوض الإنسانية خارج جسد المرأة in vitro fertilization كأطفال الأنابيب، ومن كل جنين يستنسخون 15 ألف جنين آخر.

ويدجن الأطفال بإعطائهم المواد الكيميائية وإلقاء الدروس عليهم أثناء النوم ليكونوا بلداء وأغبياء. كما يعلمونهم التخلي عن كل الطموحات والحرية الشخصية من أجل «الاستقرار العالمي»! ويربونهم لينضجوا بسرعة حتى يبلغوا العشرين عامًا، ثم يبدؤون رحلة العمل والاستهلاك. وعند الضجر يأخذون شراب السوما Soma وهو شراب مخدر ويحفز الهلوسة لكي يحلقوا في عالم الخيال وينسوا الواقع! وليس هناك مفردات مثل أم أو أب ويمارسون الجنس بلا هدف مع من يريدون ومتى يشاؤون، فالكل ملك للكل! وليس هناك شيء اسمه حب على الإطلاق، ولا وجود للدين والمشاعر في الدولة العالمية! والأهم أن النخبة المستبدة تمنع الكتب وتعطل ملكة التفكير تمامًا لدى أفراد الشعب، ويبقون على هذه الحال حتى موتهم في سن الخمسين تقريبًا! والخلاصة أن الإنسان في هذه الدولة يفقد كل مقومات الإنسانية بما فيها شخصيته وحريته وخصوصيته بالكامل ويكون قمة في الغباء والبلادة.

تنبؤ جورج أورويل

أما الروائي جورج أورويل George Orwell فقد اختلف عن هكسلي في طريقة استعباد الناس وإن كانت النتيجة واحدة. ففي رواية أورويل التي كان يُقصد فيها بالأخ الأكبر Big Brother الدولة القوية – الدولة السوفيتية – فإن عملية غسيل الدماغ تتم للحصول على الطاعة العمياء للأخ الأكبر وحبه المبالغ فيه إضافة إلى كره أعداء الأخ الأكبر من الدول المجاورة وبغض المعارضة بشدة! ومن يُكتشف أنه من حزب «الأخوّة» أي المعارضة أو المنشقين، فيتم سجنه وتعذيبه في «وزارة الحب» لا لتحطيمه بدنيًا وإعلان استسلامه فقط، بل لاستئصال استقلاله وتدمير كرامته وإنسانيته. لنتخيل أن المعارض يخرج من «وزارة الحب» وعنده 2+2= 5 وليس 4! وبما أن الحب يزعج ويقلق الطغاة في كل زمان، فهو ممنوع منعًا باتًا في دولة «الأخ الأكبر» كما في «الدولة العالمية» التي وصفها هكسلي!

توقع فرانسيس فوكوياما

في كلتا الروايتين تنطبق مواصفات الإنسان الذي يريده الطغاة تمامًا على مواصفات الإنسان الذي وصفه «ذنب» المستبدين فرانسيس فوكوياما، وهو من المحافظين الجدد في أمريكا، في كتابه: «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» الذي كتبه عام 1992، حيث إنه: «إنسان بلا صدر» وضعيف ومثير للشفقة، لا رؤية له ولا كرامة ولا روحانية بل مهتم بمصلحته الشخصية فقط. ويكمل فوكوياما بأن الإنسان الأخير ما هو إلا ذلك المخلوق الذي يذهب لوظيفته من التاسعة صباحًا حتى الخامسة عصرًا. ثم يتسوق ويأكل الوجبات السريعة Junk Food ويشاهد البرامج التافهة والألعاب الرياضية! ويؤكد فوكوياما أن «الإنسان الأخير» موجود فعلًا وهو الموظف، المستهلك الغربي النموذجي! وهذا قريب جدًا من النموذج الذي صوره ألدوس هكسلي في «عالم جديد جريء»!

الطرق الحديثة لتفريخ الإنسان

1- أفيون الشعوب: الرياضة!

تلعب الرياضة اليوم دور المخدر الفعال – شراب السوما كما في رواية هكسلي – في تثبيط همم الناس للبحث عن الأفضل في هذه الحياة. ولعل أهم الألعاب الرياضية المؤثرة سلبًا هي الألعاب الجماعية ككرة القدم وكرة السلة والبيسبول وغيرها. ولنلاحظ أن المباريات الرياضية تجري على مدار العام تقريبًا، بالانتقال من بطولة إلى أخرى، محلية كالدوري وكأس الزعيم أو الدولة، أو قارية ككأس أوروبا للأندية أو المنتخبات، وكأس آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية ثم كأس العالم التي تستغرق تصفياتها عامين كاملين. ولنلاحظ أيضًا كمية الأموال التي تُصرف على اللاعبين والمنشآت الرياضية والنقل التلفزيوني واشتراكات الجماهير لمشاهدة المباريات. واليوم نرى الاهتمام الشعبي بالتأهل لكأس العالم أو للكؤوس القارية والمحلية رغم حالة البؤس التي تعيشها البلاد من فقر وحروب داخلية حتى إن فرقها ممنوعة من اللعب في أرضها! كل هذه الأمور تدل على أهمية الرياضة عند نخبة السلطة والمال في تغييب وعي الشعوب عما يخططون له.

وبسبب دور الرياضة الفاعل في إلهاء الناس وتغييب وعيهم كما في رواية هكسلي، فقد تمنى الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن أثناء كأس العالم لكرة القدم في كوريا واليابان عام 2002 أن تقام هذه البطولة كل عام، فقد رأى فيها فرصة لإلهاء الناس في الداخل والخارج للتحضير لتنفيذ أجندات نخبة السلطة والمال، ويومها كانوا يعدون العدة لاحتلال العراق! وهذا ما فعلته الإمبراطورية الرومانية حيث ألهت مواطنيها بـ«الخبز والرياضة Bread and Circuses». وليس من الضروري التذكير بأن «الزعماء» يهتمون بالرياضة والمنشآت الرياضية ويقدمونها على الكثير من الأساسيات، ويهتمون بفوز فرقهم ربما أكثر من اللاعبين والجمهور، لأن الفوز يغيب وعي الجماهير ويلهيهم عن الكثير من الإجرام الذي يرتكبونه!

2- الأجهزة الذكية: الهواتف النقالة والكومبيوتر المحمول

وطريقة أخرى لتفريخ الناس بتغييب وعيهم هي إغراق وقت الإنسان وخياله بالأجهزة الإلكترونية الحديثة كالهواتف النقالة «الموبايلات» والكومبيوترات ومزاياها الرهيبة. واستطاعوا تفكيك الروابط الاجتماعية حتى داخل العائلة الواحدة عن طريق إلهاء الناس بهذه الأجهزة «السحرية» فعلًا. فبدلًا من أن يكون العالم قرية صغيرة، جعلت هذه الأجهزة من كل شخص يستعملها عالمًا خاصًا منفصلًا عن العالم الحقيقي، أي أنه يوجد الآن من «العوالم» – جمع عالَم – بعدد مستخدمي الأجهزة الذكية من هواتف نقالة وما تحتويه من تطبيقات كفيسبوك، وتويتر وإنستغرام وسناب تشات وغيرها! وحتى توقيت إصدار النسخ الجديدة من الأجهزة الذكية مدروس بعناية، فما أن يبدأ الناس بالملل من الأجهزة التي يملكونها، حتى تصدر الأجهزة الجديدة وإن كان بالقليل من التحسينات أو المزايا الجديدة، وعندها تتحقق الأرباح الهائلة ويتحقق المزيد من الإلهاء للناس وتحطيم القدرة على التفكير.

الإنسان اليوم هو ما توقعه فوكوياما، بل الإنسان الذي عملت من أجل «تفريخه» أجهزة الاستخبارات التابعة لنخبة الثروة والسلطة لتسيطر على العالم وتتسيده! في الماضي غير البعيد، رأينا المظاهرات الحاشدة في الغرب لأسباب إنسانية أو سياسية، كما حدث في لندن قبيل احتلال العراق عام 2003 حيث خرج 300 ألف متظاهر للتنديد بزيارة جورج بوش الابن ورفضًا للعدوان على العراق، أما اليوم فلا يتجاوز عدد المتظاهرين المئات وفي أحسن الأحوال بضعة آلاف ولنفس الأسباب. وهناك أساليب أخرى لا يخفى على القارئ الكريم تأثيرها في تغييب الوعي، منها الإعلام والموضة والجنس!

في الختام

يقول عالم الاقتصاد والصحفي الأمريكي بول كريغ روبرتس Paul Craig Roberts: «إن الأمور أسوأ مما تخيل أورويل في كتابه «1984» بسبب التقدم التكنولوجي بين عصره وعصرنا». كما أكد: «أن قوة الحكومة على السيطرة تفوق ما كان لدى الأخ الأكبر من قوة في خيال أورويل». علمًا بأن أورويل أكّد على لسان أحدهم في روايته «1984» أن: «السلطة ليست وسيلة بل هدف»! أما كريستوفر هيدجيز Christopher Hedges البروفيسور في جامعة برينستون فيقول: «رأى أورويل أن الخوف أرغمنا على الاستسلام. بينما رأى هكسلي أننا أُغوينا للاستسلام». إذن، البشر اليوم تحت السيطرة وهم عاجزون عن التفكير إما بطريقة أورويل، أو مخدَّر بالإغراءات كشراب «السوما» – أفيون الشعوب والأجهزة الذكية، أقوى الأمثلة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد