اكره الانتظار

يتوقف الزمن ويمضي كسلحفاة قضت من عمرها 100 عام، قليل من الأمتار قد تحتاج ليوم بأكمله، وأنت على اليابسة تحيا، لم تتكيف بعد على العيش في المحيطات، الانتظار معاناة كل حر، الانتظار جرح يقطر دمًا لا يسيل، الانتظار حلزون وجد نفسه في المنتصف على شفرة حادة، في تقدمه تسيل دماؤه، وفي عودته يسوء جرحه، وفي توقفه عمر ينقضي.

الجميع في انتظار، حياتنا كلها محطات انتظار، بداية من كفاح أحد الملايين للمرور بقنوات فالوب ليلتقي بالبويضة، وانتظار التسعة أشهر، والخروج من البراح إلى الضيق، وانتظار الدراسة والانتهاء، وانتظار العمل، وانتظار الزوجة وانتظار الراتب وانتظار الولد، وانتظار الدور الذي لم يحين بعد، وصولًا للتمدد على السرير في انتظار أمر الله، حلقة لا تنتهي، ومن البؤس عدم النظام في الانتظار، نفقد المساواة في الظلم، ولا تسأل عنها في العدل؛ لأن هذا الأخير درب من دروب الخيال، لا نسمعه إلا في الروايات التي أصبحت نكرة، مليئة بالسم ذات المذاق المعسول، حتى هذا المعسول أصبح مغشوشًا، أليس من حق المعدوم أن ينال شيئًا حقيقيًا؟ مسكين لقد توفي من مخدر مغشوش، لقد أصبح تجار المخدرات معدومي الضمير!

أكره الانتظار بكل أنواعه، وبكل أحواله، أتذكر تلك القيلولة التي لا تنتهي، تنتظر حتى يتم الإفراج عنك، أما آن الأوان لفك القيود وفتح الزنازين، ما زلت اسمع صوت الرياح خلف الأبواب، تنذر بحدث عظيم، أصوات خلت من كل ما هو مألوف، إنه وقت قيلولة العفاريت، فلماذا لا تحذو حذوهم؟ أسمع تلك القنينة التي تتخبط من حائط إلى آخر، إنها مناجاة لنا كي نخرج ونلتقي بهذه العفاريت التي تشتاق لنا، لكن الأغلال حالت بيننا وبينهم، وذلك القفل العالي صعب المنال، فكيف الوصول إليه؟ ما عليك سوى الانتظار حتى يحين آذان العصر، تلك اللحظة التي تُفتح عندها الأبواب وتعود العفاريت من حيث أتت.

انتظر يا ولدي حتى تبلغ سنواتك المدرسة، ستشهد حياة جديدة ونظام عظيم، يكون الحماس في ذروته وفي اسبوعه الأول ينطفئ ويختفي، أين ذهب! يقف ناظر المدرسة بعدما انتقى عصا من أشجار المدرسة، تتلوى في يده كثعبان أحكم تدريبه، يظن نفسه موسى عليه السلام، وفي الحقيقة ما هو إلا حاو يقف خاوي اليدين، لا تعرف متى وكيف لدغك ثعبانه، ولا يهمك أن تعرف مكان لدغته، أينما ذهبت يكون هذا الحاوي موجود، وله أتباع كثيرون ينتشرون في كل مكان، لهم نفس خصاله، ينظرون إليك كأنك العدو الذي احتال على أرضهم ويريد الغدر بهم، وأن تذهب إلى الحمام فهذا اعتراف منك على أنك وغد كبير تستحق كل لدغات ثعابين الكون.

متى تنتهي تلك الحصة اللعينة، إنه الحساب، لا أذكر أي ذنب فعلته في سنواتي الستة الماضية، لماذا أحاسب هنا، يسير بخطوات ثقيلة بين الصفوف، لقد احضر معه سير غسالتهم اليدوية، يبدو أنه انقطع ويريد استبداله، ولكن لماذا يمسكه دومًا ذهابًا وإيابًا؟ لم أعرف حقيقة الأمر، إلا بعدما انشغلت بالرسم في كتاب الحساب، جاءت على ظهري مدوية مؤلمة، لم تشفع له دموعي أو حتى جسدي الضعيف، فيما بعد رأيت هذا المشهد يجلس أحدهم على مقعد والثاني يقوم بالدوران حوله، وبين الحين والآخر يصفعه ويوبخه، لا أعرف ما جرمي، فليخبرني وسوف أعترف بكل ما يريد، لا أنسى الاستاذ بكل تفاصيله، كانت رأسه كبيرة لا تتناسب مع جسده، ووجه الممتلئ، وصدغه المنتفخ، وشعره المتجعد، وسيجارته الطويلة، وجاكته الجلد، ودراجته النارية من ماركة «جاوا»، متى ينتهي هذا الاستجواب؟ ومتى يخرج هذا المستبد؟ ومتى تنتهي حلقة الرعب هذه؟ لقد كرهت الحساب وكرهت جواكيت الجلد، وأكره السجائر بكل أشكالها، وأصبح لدي فوبيا من الدراجات النارية.

أكره الحساب وأكره أي طريق يوصلني للحساب، لقد فشلت في دراستي بسبب الحساب، وفي كل عملية حساب أقوم بها ينتابني بعض الخوف، أجد عقلي يتوقف تمامًا عند كل عملية حسابية، أنا لا أحسب كم من النقود انفقت، ولا أراجع تلك الفاتورة باهظة الثمن، بل أكثر من ذلك، فأنا لا أعرف كم من النقود في محفظتي، آخذ كل شيء بما هو مقارب له، ولا أتطرق إلى أي تفاصيل، ولا أتفاجأ عندما ينفذ حسابي، ولا أتعجب اختفاء النقود من محفظتي، أنا لا أحسب، أنا أكره الحساب.

بعد رحلة الانتظار في الدراسة تصطدم بقطار الحياة لتهلك على قضبانه، لم يكن لديك خيار آخر لا تعرف مكان المحطة التي تستقل منها القطار، على غفلة تجد نفسك تسير على القضبان، ومهما كانت سرعتك فلن تسبقه، ومهما كانت لياقتك فلن تستطيع القفز عاليًا، إنه قدرك ومصيرك، عليك بالانتظار.. انتظار ماذا؟ ربما النجاة وربما الموت كل ما عليك هو الانتظار!

فلنفترض أنك نجوت ومازال قلبك يضخ الدم في عروقك، ستجد أن سنوات الدراسة وحصص الحساب، وحلقات الاستجواب، وثعابين الحاوي ولدغاته لم ينفعوك بشئ، كان ينبغي عليك أن تتعلم كيف تصبح حاوي، قد تكون نجاتك في أن تصبح وغد كبير، أصبحت النية الحسنة مضرة جدًا للإنسان، أن تقدم يد العون لأحدهم قد تجد نفسك ضحية عملية نصب قذرة، إنه زمن الفن الداعر، والابداع في طرق الاحتيال على المال، وتجارة الشرف تجلب الكثير من المال، وأهل الباطل ينعمون وأهل الحق يتألمون، ما علينا سوى الانتظار.. انتظر.

تلك المرأة التي تجلس على جانب الطريق أمامها بعض حزمات الجرجير تبتغي رزقًا حلال هي امرأة عظيمة حقًا، تنتظر أن يأتي أحدهم ليبتاع منها حزمه أو حزمتين، كل ذنبها انها في زمن تخلى عنه الشرف واعتلت القرود المناصب، في الوقت الذي يلعنها موظف الحي بزعم اشغال الطريق، ويركل بقدمه النجسة كل ما تملك، فعلى أمثال هذه فقط يُطبق القانون، في الجانب الآخر ينشغل كبار المسؤولون بتكريم مدعية فن أجادت إظهار لحمها وابتكرت فيه على حد زعمها، يمدحون خصرها ونهديها ويمنحونها شهادات التكريم والامتيازات، فرق كبير بين بائعة جرجير وبائعة هوى هذه حافظت على شرفها وتلك تاجرت به، هذه صانت عرضها وتلك جعلت من لحمها سلعة رخيصة لأصحاب الأموال والنفوذ، ما على بائعة الجرجير سوى الانتظار حتى يأتي نصر الله أو يأتي أمره.

عليك الانتظار حتى يأتي.. لا ندري ما يأتي فربما كان التغيير، وربما كانت النهاية، أيما يأتي فكله خير.. وفي حالة الانتظار لا يسعك إلا أن تتقرب وتناجي ربك بأن يخفف عنك ألم الانتظار وأن يفرج عنك.. سبحانه هو القادر على كل شيء، له حكمة في الانتظار قد تعلمها أو تجهلها، ولتضع نصب عينيك أن قضاء الله كله خير حتى وإن لبس رداء الشر، وسوف يخفف عنك هذا كل آلام الانتظار وأوجاعه، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد والحمد لله رب العالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد