لن نجد أفضل وقت للحديث عن خطاب الكراهية في وسائل الإعلام من توقيت صدور دليل معهد الجزيرة للإعلام حول «تجنب التمييز وخطاب الكراهية في الإعلام». ورغم أنك لن تجد في مناطق مختلفة من العالم من يرى الترويج عيبًا، لكن قد يتبادر إلى ذهن الكثيرين أن حديثنا عن دليل معهد الجزيرة يدخل في سياق الترويج والإشهار. الحقيقة أن القصد من وراء هذا الحديث هو أن صدور دليل مثل هذا، وهو الأول من نوعه باللغة العربية، سيكون دون جدوى لو لم يدفع الجسم المهني العربي إلى استقباله بالمتابعة والنقاش وحتى الاحتفاء.

وذلك خصوصًا لأن خطاب الكراهية يقترن بأعمال عنف أحيانًا كما سنرى.

ولكن هل نحن في العالم العربي معنيون بشكل مباشر بخطاب الكراهية؟ لن نستطيع تقديم إجابة عن هذا السؤال قبل التعرف إلى خطاب الكراهية في السياق الغربي هناك، حيث نشأ وترعرع كما يعلم الجميع.

في العلوم الاجتماعية المسألة محسومة: نحن لا نفكر إلا من خلال مفاهيم. وهذه عليها أن تكون مضبوطة وواضحة. وحين نشرع في النقاش والحديث دون أن تكون المفاهيم واضحة في أذهاننا ومضبوطة، نحن عمليًّا نكون نشرع في الحديث دون تفكير.

تحدث هذه المفارقة كثيرًا في سياق نقاشنا حول موضوعات كثيرة بالعالم العربي.

لا بد أنك تتساءل عما إذا كان خطاب الكراهية من هذه المفاهيم المضبوطة والواضحة. وقد يُطرح السؤال أيضًا عما إذا كان الدليل العربي الجديد يشفي الغليل في هذا المضمار؛ إن ما يسعى إليه هذا المقال هو تسليط المزيد من الضوء على هذا المفهوم وضبطه من خلال التوسع فيما جاء به دليل معهد الجزيرة للإعلام من أفكار وتصورات.

لهذا الغرض نحن لن نجد أنسب من تقديم أمثلة ملموسة. فأنا كصحفي كتبت خلال عملي مئات المقالات الإخبارية. واحدة من هذه المقالات كانت حول تحطيم إسبانيا رقمها القياسي في عدد السياح الذين استقبلتهم خلال العام الماضي؛ وكان المقال باللغة العربية، وموجهًا إلى القراء بالمغرب على وجه الحصر.

لا شك أننا نلاحظ هنا أن هذا الخبر بالذات لا تجمعه أي علاقة بخطاب الكراهية. ما تفكر فيه صحيح تمامًا. لكن لماذا أشير إلى أن المقال كُتب بالعربية للقراء بالمغرب حصرًا؟ الحقيقة هذا المثال هو الذي سوف يوضح لنا معنى الكلمة الأولى في المفهوم: الخطاب.

في الواقع، لم أكتب مادة تحطيم إسبانيا رقمها القياسي في عدد السياح خلال سنة واحدة بهدف إخباري محض. كان الغرض الأساسي هو الإشارة بشكل ماكر إلى أن السياحة بالمغرب ما تزال في حاجة إلى الكثير من العمل والمجهودات حتى ترقى لمستوى السياحة في جارته الشمالية. وكانت جل التعليقات على هذه المادة في «فيسبوك» تؤكد هذا المعنى نفسه بالضبط.

ما علاقة ما سبق بالخطاب؟ علاقة وثيقة جدًّا، إذ الخطاب تحديدًا هو تلك التعليقات على خبر السياحة بإسبانيا.

نعم، الباحثون يرون أن الخطاب يرتبط بما يحدثه من تأثير، فهو ليس ما يقال أو ما هو مكتوب، إنه ليس تعبيرًا حرفيًّا، بل هو تشييد وبناء بغرض إحداث معنى في الذهن على نحو مقصود ومتعمد.

من خلال ذلك الخبر كانت النية هي أن تُكتب تلك التعليقات على وجه التحديد.

ينطوي الخطاب على خبث كما يقولون.

فإذا كان الإعلام يركز على التناول الإخباري لكل السلوكات المخالفة للقانون التي يرتكبها مهاجرون يحسبون على رؤوس الأصابع، على غرار ما يفعله معظم الإعلام الغربي منذ سنوات، إذ يحرص على الإشارة في صلب العنوان والمتن الإخباري إلى هوية المخالف وأصله، فإن ذلك هو ما نسميه خطاب كراهية.

لكن البديهي أن من يرتكب أفعالًا مجرمة سواء كان مهاجرًا أو لم يكن، يجب أن يعاقب. هذا ما يمكن أن نصطلح عليه بالمسار القانوني الطبيعي. لكن ما تفعله المواد الإخبارية المذكورة هي أنها تعمل على تسييس هذه الجرائم في تغطياتها.

دليل «تجنب التمييز وخطاب الكراهية في الإعلام» أشار في مطلعه إلى أن «بعض وسائل الإعلام تتخذ موقفًا متحيزًا خلال تغطياتها، مما يضعها، غالبًا، أمام معضلة مهنية وأخلاقية، لاسيما إذا كان هذا التحيز يسعى إلى تأطير جماعة أو أفراد في إطار سلبي، يضر بصورتهم أمام المجتمع».

التأطير، أي تلك العملية القبلية الواعية التي تحرص على القيام بها المؤسسة الإعلامية أساسًا، أو حزب سياسي شعبوي، هو الذي يجعل من خطاب الكراهية خطابَ كراهية بالمعنى الذي سُقته آنفًا عن مفهوم الخطاب؛ أقصد بوصفه رغبة في إحداث معنى بالذهن بشكل مقصود ومتعمد.

في حالة المهاجرين، «التأطير» يعني إرادةً واضحة لتشكيل صورة دون غيرها: لا يحترمون تقاليدنا وقوانينا، يضطهدون المرأة، يسرقون، يحبون العنف… إلى غير ذلك من العناصر التأطيرية السائدة بالإعلام والخطاب السياسي الغربيين، تجاه المهاجرين المسلمين بالدرجة الأولى.

وعلى غرار سيناريو التعليقات مع خبر السياحة في إسبانيا، يصبح مشهد تأطير المهاجرين ضمن خطاب الكراهية في التعليقات بالموقع الأزرق كالتالي: غير مندمجين، اطردوهم جميعًا، يعيشون في العصور الوسطى، هؤلاء هم من يستحوذون على وظائفنا…

فلئن كان التأطير هو الشرط الأول لوصف خطاب ما بأنه خطاب الكراهية، فإن الشرط الثاني يتركز في الديمومة.

تكرار التغطيات الإخبارية المتحيزة، التي تتصيد كل مخالفة قانونية يقوم بها فرد مهاجر لجعلها مادة خبرية مهمة، المرة تلو الأخرى، هذه الديمومة في التناول الإخباري تجعل محاصرة خطاب الكراهية مهمة تكاد تكون مستحيلة؛ إذ من خلال الاستمرارية في الإخبار بهذه الصورة تنفلت هذه المواد من الضبط الزجري والأخلاقي.

فالخطير إذن هو أن خطاب الكراهية ماكر يختفي خلف مواد صحافية يبدو من ظاهرها أنها أخبار عادية.

وكما أعلنتُ في البداية، يقترن خطاب الكراهية بالعنف. كيف ذلك؟ الإجابة بسيطة: العنف اللفظي يعد تمهيدًا للعنف المادي. وبالطبع النتيجة المنطقية نراها أمامنا من ارتفاع جرائم الكراهية المرتكبة ضد المهاجرين والأقليات بالدول الغربية، وليس آخرها مجزرة نيوزيلندا المروعة.

على أن من يبث تلك العناصر التأطيرية لتشكيل صورة بعينها تخالف الواقع، سواء وسائل الإعلام المختلفة أو الأحزاب السياسية، لا يرى أن هذه الممارسات تدخل ضمن خطاب الكراهية، بل يدخلها تحت لافتة حرية الرأي والتعبير.

هذه النقطة تقودنا إلى القول بأن خطاب الكراهية، على عكس ما يعتقد كثيرون، من المفاهيم الإيجابية القليلة التي تنتصر للمهاجرين والضعفاء والأقليات في مواجهة حملات الشيطنة والتجريم.

فأمام هذه الحملات المزيفة للواقع، لسعيها إلى تصوير أضعف فئات المجتمع في صورة تخالف الحقيقة، أقصد في صورة «الأقوياء» الذين بمحاربتهم يجري الحفاظ على التناغم المجتمعي السائد، تبرز الوظيفة الحاسمة لهذا المفهوم في لجم جماح حملات هؤلاء المعتدين.

نعم خطاب الكراهية من المفاهيم التي ينبغي الحرص على عدم فقدانها أو تدميرها.

ومهما يكون من أمر، الغريب حقًّا هو أن التصريح بالرغبة في مناهضة خطابات الكراهية يوازي تمامًا الاعتراف بأننا ليست لدينا القدرة على مواجهتها بشكل ساحق.

هنا تكمن المعضلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد