15 نوفمبر، ذكرى الهجوم على باريس عام 2015، ومن تلك الذكرى راودتني أشياء وأفكار حول الهجوم، وحول المجتمع العربي، والمصري خاصة.

وقت الهجوم قام العديد من المواطنيين والفنانين، والمشاهير، وشخصيات سياسية، إوعلاميين وغيرهم بوضع علم فرنسا على صورهم الشخصية على حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وفي مصر قام بعض الناس بفعل ذلك، وقد تلقوا هجومًا جامحًا من قبل العامة، يدعون في هجومهم بأن العالم لا يدعم ولا يبكي على أطفال سوريا أو فلسطين أو أي حادثة عربية، بينما أنتم تتعاطفون مع ضحايا فرنسا ومع أطفال الغرب. من هنا لب الموضوع، وهو خطاب الكراهية وانغلاق الحواس، وكيف تخلفنا عن حقيقتنا الإنسانية.

اختزال دعم البشر والدفاع عن حقهم في الحياة والتعاطف معهم ومع موتهم في العرق والدين أمر يدعو للنقاش، فهل الإنسانية تختزل في عرقك ومدينتك، وأهل دينك؟ بالطبع لا، فلو هكذا، لما دعم العديد من الناس سوريا ولما استقبلوا السوريين، ولما دعموهم فنيًا وأدبيًا، وماليًا أيضًا! الإنسانية لا تختزل في عرق أو في قبيلة تنتمي إليها، ومن الطبيعي بأن تتعاطف مع الإنسان وتدافع عن حقوقه في الحياة وفي الكرامة في أي منطقة حول العالم، ليس فقط في بلدك. وإنما من يعارضون الدفاع عن إنسانية الغرب هم مفعمون بخطاب الكراهية، يتشربونه منذ صغرهم، ويعانون من انغلاق حواسهم. لو تحدثت في مصر عن عملية تفجير أو هجوم مثل هجوم أورلاندو في أمريكا، سيخبرك البعض بأنهم يستحقون، فهم يقتلون أبناءنا، ويتناسون ويتغافلون عن أن من يقتل هم القادة وليس العامة، ولو أخذنا ذنب الشعوب بكل جرم سياسي ارتكب وعممنا ذلك، فكل العالم قاتل وفاسد، ويستحق الموت، فمن لم تقم بلده طول تاريخ قيامها بجريمة واحدة؟ فهل البشر كلهم مذنبون ومخطئون؟ وفي بلد كل عربي هناك جرائم سياسية واعتقالات وقتل لأبناء البلد، فلم لا نقول بأن العرب يستحقون القتل على يد الغرب، لأن قادتهم قتلوا أيضًا وتسببوا في خراب وجرائم؟ ولو قلت لعربي بأن فلان يهودي، فسيسبه ويلعنه، ويدعو عليه بالموت، لمجرد ديانته، وإن أخبرته بأنه يهودي أوروبي وليس إسرائيليًا لكي تكرهه، سيخبرك بأن اليهود ملاعين وتاريخهم قذر ودنس، فهم قتلة الأنبياء. حسنًا، لقد حدثت جرائم وأفعال في الماضي، لكنها لشعب، لقبائل، وليس ذنب ارتكبه اليهود على مر العصور، فبالمثل قد قتل عثمان وعلي، وقتل العديد من الناس وقتها، وحصلت مذابح وجرائم، فهل المسلمون قتلة؟ هل هم يعشقون سفك الدماء طوال مئات السنين لمجرد جرائم وحوادث حدثت بالماضي؟ اليهود هم أهل ديانة، بشر اعتنقوا ديانة معينة، قد يكون مسلمًا أو مسيحيًا أو أي شيء آخر، لكنه يهودي، تشكلت ثقافته وأحواله وسلوكه بناءً على بيئته وعلى بلده، وعلى المتغيرات حوله، وبالطبع بأوامر دينه، لكن لو كان كل يهودي فاسد قاتل، أو يستحق اللعن بغض النظر عن جنسيته حتى، فهذا معناه بأن السبب هو ما يعتنقونه وهو الديانة، أي بأن السبب في فسادهم بأن الدين يأمر بالقتل أو يحرض على طبيعة عنيفة وقاسية، وربما بخيلة، بما أننا نرى كل اليهود بخلاء في كل أرجاء العالم، إذًا السبب هو الدين، إذًا ربهم بعث بدين يفسد في الأرض، إذًا أهل الديانات السماوية كالإسلام والمسيحية فاسدون أيضًا ودينهم خطر، لأنهم يعتنقون ديانات لنفس الرب، أي الخطر والمشكلة من دياناتهم كلها ومن ربهم، وهذا غير ممكن ولن يقله أحد، إذًا لماذا نقبل الهجوم على معتنق ديانة تنتمي لنفس طينتك ونفس الرب؟ ليست جرائم أو وقائع تاريخية تمثل ذنبًا للبشر طوال التاريخ حتى القيامة، لكن هناك تعميم يحاول تبريره لكرههم لليهود بسبب إسرائيل، وينسون بأن اليهود كانوا في نسيج نصر مثلًا لوقت طويل للغاية، ولفترة قريبة. وبالحديث عن إسرائيل فالمذنب السياسة، ربما يكون هناك أبرياء في الشعب، لكنك تكره الكيان كاملًا لجرائمه، ولكن هناك من رفضوا القتل أيضًا واعترضوا على سياسة بلدهم، وفي العموم أنت تهاجم السياسة والكيان نفسه، وليس اليهود في كل العالم، كان هناك تعميم لكل اليهود، وهناك تعميم لكل الغرب وبأن العالم كله قاتل ومذنب بسبب جرائم تاريخية، ولكن لم اليابان على سبيل المثال لم تتطرق في العهد القريب لحرب ضد العرب، فلا نتهمها بأنها دولة فاسدة أو شعب قاتل، رغم قتلى الصين في حربهم مع اليابان، إذًا لكل العالم تاريخ وماض، وحاضر مليء بالجرائم، لكن لا يمثل خطأ واستغلال السياسات الشعب في شيء، وإنما هي لعب سياسية، وإنما تعميم الكراهية يلغي الإنسانية ويشجع على المزيد من العنف والدماء.نحن نشجع في مصر على العنف، يمكنك فتح الإنترنت ومشاهدة قتل الشيعة في مصر وسط تهليل وتشجيع، يمكن مشاهدة قتل العراقيين مع بعضهم البعض، بسبب العنف المستشري والكراهية والتعميم لكل الأطراف الأخرى، وعدم تفتح العقول والستامح والتمعن فيما هو موجود.

والسبب في كل ذلك ليس فقط الجهل والعنف المتشرب، وخطاب العنف والكراهية الذي نتلقاه منذ الطفولة، فمنذ نعومة أظافرنا نسمع بأن كل اليهود قتلة، وكل الشعية كفرة، وغيره، وغيره. السبب أيضًا انغلاق الحواس، فأنت لا تعلم شيئًا عن الفن، لم تقرأ شعور القاتل، أو كيف يشعر من يتم تعذيبه، لم تطلع على خبرات إنسانية أخرى، لم تتعرض لفنون وغناء، ولوحات تستهدف تنمية الحس الإنساني، لم تتفهم الطرف الآخر، وكيف هو الشخص المختلف، وكيف يشعر، لم تدرك شيء، أنت ترفض كل فن، وكل ما يدعو لتفتح حواسك لتقبل غيرك والتمعن والتفكير والتأمل فيه، أنت تمر من أمام شحاذ، لكنك لم تفكر مرة في أن تسلط الضوء عليه وتضع نفسك مكانه، وتفهم شعوره، لم تتطرق لمحاولة تنمية الإدراك خاصتك، من سيشجع على القتل لو قرأ أعمالًا من حول العالم عن الحروب وما تخلفه، عن الإنسان، عن القتل، عن كل التيارات والانتماءات المغايرة المختلفة، لذلك تشجع كل جهة متطرفة وكل نظام ديكتاتوري على ألا تنصت سوى لثقافته المنسوجة، ويكرهك ويرعبك من الاقتراب من أي فن، بأنه ممل، يحولك لمجنون، وغيره وغيره، حتى تبقى منغلقًا على نفسك، ممسكًا بخطابه المظلم.

نحن نعيش في مجتمع منغلق، وليس فقط جاهل، يعاني من ضياع حقوق الإنسان وقتل مفاهيم الإنسانية، ولا يتم الإصلاح سوى بالتمرد على تقاليد ومفاهيم المجتمع الفاسدة والهدم، وبناء معايير تتفق مع الإنسان ومع حقه، تتفق مع قيمه، ومع الحقوق، ونبذ خطاب العنف والكراهية، والبدء في الانفتاح لحواسنا وإدراكنا للعالم ولنفسنا، ولماضينا الذي نسجناه بحكاياتنا، لنقف على نقطة البداية نحو الانطلاق لمستقبل أقل ضبابية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

آراء
عرض التعليقات
تحميل المزيد