مع الانفتاح الثقافي والاجتماعي الواقع حاليًا بين الشرق والغرب، وامتزاج الحضارات بفعل وسائل الاتصال والمواصلات المتقدمة التي قربت المسافات بين البشر، ولد جيل جديد يحاول معايشة واقع العصر بالمزج بين ثقافاته وعاداته الأصلية مع الثقافة العالمية المائلة أكثر إلى التحرر والحرية في الفعل والقول، ونظرًا لأن الواقع المجتمعي في بلاد الشرق الأوسط ينظر بعين الريبة إلى كل ما هو غريب عن السائد، بدأ بعض الشباب بالمصارحة والتصالح بين أنفسهم والآخرين بإعلان أنهم يجمعون بين أشياء تبدو تناقضات في أعين الآخرين، ولكنها لا تدعو للدهشة من وجهة نظرهم على غرار «أنا غير محجبة ولكني أصلي».

قد يريد دعاة هذه الحركة إلى كسر عادة التنميط (stereotyping)  التي يميل الناس إلى اللجوء إليها عند نظرتهم لأشخاص بعينهم، كأن كل من أطلق لحيته صار شيخًا، أو كل فتاة متبرجة لا تفقه شيئًا في دينها بالضرورة.

الإنسان كائن قادر على جمع التناقضات في تصرفاته، لكن هناك حد فاصل بين جمع التناقضات والنفاق صعب على الناس تحديده، والحكم به على الآخرين؛ لأن لا أحد يستطيع الاطلاع على ما بداخل أنفس غيره، في المقابل هناك من أغضبهم هذه الدعوة الصريحة للتحرر بلا كسوف، ووصل الحد إلى وصف هذا الشباب المتحرر إلى أنه يحارب الدين.

من ضمن حقوق الإنسان حرية التعبير التي لا تصل إلى السب والقذف «باستثناء الكوميديا الساخرة»، فالطبيعي أن من حق هؤلاء الشباب التعبير عن رأيهم، ولكن هل من حق مهاجميهم وصفهم بأنهم يحاربون الدين والإسلام؟

ظاهرًا، فالإجابة نعم، لكن دعنا نرى ما بعد ذلك؟ ما جزاء من يحارب الدين، أو ما جزاء من يحارب الله ورسوله؟ الإجابة سهلة ولا تقتضي غير كتابة هذا السؤال على أي محرك بحث في الإنترنت.

ثقافة الاختلاف لا تعني اتهام شخص لآخر بالكفر أو شن الحرب على الدين، وأيضًا لا تعني اتهام شخص آخر بالتخلف لأنه يتبنى رأي أكثر تحفظًا. المشكلة أن خطاب الكراهية في معظمه خطاب مستتر، لا يصرح بالعنف ولكنه يشجع عليه بشكل غير مباشر، وللأسف انتشر هذا الخطاب في دول غربية انتجت مسلمين جددًا مشبعين بالكراهية ضد كل ما هو مختلف عنهم، ومستعدين لعنف غير مبرر ضد هؤلاء المختلفين، نتج عنه ما نراه من أحداث العنف من قبل متطرفين مسلمين في أوروبا. من الناس من يمارس خطاب الكراهية بلا وعي أو دراية، ومنهم من يمارسه وهو يدرك جيدًا ما يفعله ويتشفى طربًا لرؤية أذى يقع بمن يصنفهم في نظره أنهم أعداء الدين، هو ينسى أننا جميعًا فانون ولسنا نحن من نحمي دين الله، إنما وحده الرحمن هو من يملك الحساب يوم الدين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد