تخوض اللغة العربية حربًا ضروسًا من أعدائها وأعداء الإسلام، فهي في مرمى الغزو الثقافي وأول أهداف الاستعمار الفكري والسياسي، لذا نجد المستشرقين وأتباعهم لا يألون جهدًا في الانتقاص من العربية وإمكاناتها في مواكبة العصر والتطور التكنولوجي، فانطلقت المطالب منذ زمن غير قريب بإحلال العاميات بدلًا من الفصحى في الإعلام والصحافة والفنون والآداب، وإحلال اللغات الأجنبية بدلًا من العربية في المعاهد والمدارس والجامعات، وقد نجحت إلى حد ما، فما زالت الكليات تدرس الطب باللغة الإنجليزية، وخرجت الفصحى من المسرح والسينما، وتصارع للبقاء في الأدب شعرًا ونثرًا.

ولقد لقيت هذه المطالب أرضًا خصبًا في البلاد العربية جراءً للهزيمة النفسية التي تعيش الشعوب العربية بسبب التخلف الاقتصادي والسياسي.

وبالرغم أن أننا نرفض تبرير الغزو الثقافي أو الصراع اللغوي ضد العربية إلا إنه من باب التفسير قد نتفهم أسباب هذا الصراع والغزو الناتج من مطامع سياسية من مستعمر وعدو للأمة لغةً وسياسةً.

وقد نتفهم أيضًا الهزيمة النفسية التي تعيشها الشعوب العربية خاصة بعد سيطرة إعلام موجهٍ يبث سمومه على مدار 24 ساعة؛ ليشوه الحقائق ويلبس الحق بالباطل.

لكن ما لا أستطيع أن أفسره، فضلًا عن أبرره، هو إفساد العربية من قبل حماتها ومحبيها، وظلمهم لها ذلك الظلم البين، وأقصد هنا بحماة العربية اللغويين ومعلمي العربية والغيورين عليها، فنجدهم يقبحونها بدلًا من أن يجملوها، وينفِّرون منها بدلًا من أن يرغبون فيها، وهم كالدبة التي قتلت صاحبها.

فعلى سبيل المثال – لا الحصر – يختارون بيت شعر للمتنبي ويتداولونه في مواقع التواصل الاجتماعي فخرًا وتيها بجمال العربية، احتفاء بها في اليوم العالمي للغة العربية، ألا وهو:

أَلَمٌ أَلَمَّ أَلَمْ أُلِمَّ بِدَائِهِ           إِنْ آنَ آنٌ آنَ آنُ أَوَانِهِ

ليستشهدوا على عظمة العربية وجمالها، لله در العربية

أخلا ديوان العرب فلم يجدوا من الشعر بيتًا أجمل من هذا البيت؟

بل قل أخلا ديوان المتنبي من الفصاحة والبلاغة فلم يجدوا غير ذلك البيت؟

ألا يرسخ هذا البيت التصور الذهني الخاطئ عن صعوبة العربية؟

ألا يؤكد هذا البيت الصورة النمطية للتقعر بالفصحى؟

هذا مجرد مثال، أما الطامة الكبرى عندما نجدها من المتخصصين والأكاديميين والمعلمين الذين يعلمون الفصحى ويتشدقون بالغيرة عليها، ولكنهم بدلًا من أن يعلموا الأدب والنصوص الرائقة، يأتون بنصوص عفا عليها الزمن وألفاظ مهجورة وأشعار مدفونة؛ ليظهروا براعتهم اللغوية وقدرتهم النحوية، مع أن معظمهم – إلا من رحم ربي – لا يستطيع أن يتحدث بالفصحى بدون خطأ نحوي أو صوتي، فضلًا عن أن يتحدث بها بطلاقة أو سلاسة.

وقد رأيت بأم عيني وسمعت بأذني من يستعرض قدرته اللغوية على طلاب العلم من متعلمي العربية من الشعوب الإسلامية، فيقول أحدهم للطلاب الذين ما زالوا في مستوى المبتدئ في تعلم العربية: سآتيكم بكلمات من بطون الكتب لم تسمعوا عنها من قبل.

أما الآخر فيشرح لطلابه المبتدئين أنواع التنوين: تنوين التمكين وتنوين التنكير وتنوين المقابلة وتنوين العوض، وهم لا يعرفون الفرق بين التنوين والنون.

ولا يخفى عليكم ما يقوم به معلمو العربية في المدارس والمعاهد والكليات من اهتمام بالنحو والصرف على حساب الملكة الأدبية واللغوية، فيعلمون طلابهم قواعد اللغة، فإن كان طالبًا مجتهدًا محبًا للعربية أصبح عالمًا نحويًّا نحريرًا ملمًا بقواعد اللغة شاردها وواردها، ولكن إذا طلبت منه أن يتحدث مرتجلًا في موضوع انتكس إلى العامية، أو تحدث بفصحى ركيكة تشوبها الأخطاء والزلات، وإن كان طالبًا عاديًا نقم على العربية ونحوها لما وجد من صعوبة وغرابة.

هذا على مستوى التدريس أما على مستوى المحافل والمجامع تجد المتخصصين والغيورين يمسكون بملقط ليلتقطوا الأخطاء اللغوية، ويتجادلون فيما لا جدوى منه، فقل تلفاز ولا تقل تلفزيون، وقل حاسوب ولا تقل كمبيوتر كأن التلفزيون والكمبيوتر صناعة عربية منذ الجاهلية وقد حرفنا ألفاظها ومبناها.

وقل مظلة ولا تقل شمسية لأن الأولى إحدى مباني اسم آلة والثانية لا مبنى لها، وكأن اللغة قياسية لا سماعية.

وقل هو طالب ماهر ولا تقل هو طالب شاطر لأن شاطر مبتذلة مولدة، ولا تأبه لقول أبي نواس:

ومُلِحَّةٍ بالعَذلِ تَحسَبُ أنّني                              بالجهلِ أتركُ صُحبةَ الشُّطّارِ

فأمه فارسية ولا يحتج بقوله.

والأغرب والأدهى من ذلك أنهم يدعون إلى استعمال الفصحى وعندما يستعمل الناس الألفاظ الفصحى ويتداولونها يهجرها اللغويون بدعوى الابتذال، أي كثرة استعمال العامة لها، معادلة غريبة يدعونك لتستخدمها وعندما تستخدمها يدعونك لتركها لأنه كثر استعمالها، أي منطق هذا، لقد ظلم اللغويون العربية ظلما بينا:

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة                        على المرء من وقع الحسام المهند

فرجاء منكم حراس العربية وحماتها ارفعوا أيديكم عنها وأطلقوا لها العنان لتبدي مفاتنها وتكشف عن زينتها وجمالها، ارحموا العربية يرحمكم الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد