وسط  انشغال العالم بمتابعة أخبار الفيروس التنفسي التاجي القاتل كورونا، نشرت وكالات الأنباء الدولية خبرًا مفاده طلب دريد رفعت الأسد ابن أخ الطاغية السوري المقبور حافظ الأسد، من بشار الأسد ابن عمه والرئيس السوري الحالي، السماح لوالده الذي يعيش في أوروبا منذ نحو أربعة عقود، بزعم أن البلاد تحتاج إلى قيادة حازمة يمكنها إدارة سوريا في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخها، ويا لها من دعوة متناقضة!
فكيف يستعطف رفعت ابن أخيه بأن يعود إلى سوريا، ويتذرع في الوقت عينه بأنه سيحكم البلاد أفضل من الرجل الذي يرجوه ليعود إلى وطنه، الذي تركه صاغرًا، لكنها شهوة السلطة التي لم يتخل عنها رفعت برغم سنوات المنفى التي استغرقت أغلب حياته.

لا ينسى السوريون، خاصة المسنين منهم، كيف كان رفعت الأسد يد أخيه حافظ الباطشة، حتى قبل استيلاء حافظ على السلطة قبل نصف قرن؛ فقد أسس حافظ سرايا الدفاع قبل فترة قصيرة من الانقلاب العسكري الثامن في تاريخ سوريا، الذي وقع في الثالث والعشرين من فبراير (شباط) 1966، وولى رفعت المتخرج حديثًا في الأكاديمية العسكرية قيادة هذا الفصيل المسلح الذي يتكون أفراده من المجندين العلويين، وحين حانت ساعة الصفر للانقلاب على حكم أمين الحافظ، آخر رئيس سني حكم سوريا فعليًّا، قاد رفعت الانقلاب بدموية شديدة ليضع السلطة في يد علويي البعث خاصة حافظ الأسد ورفيق دربه محمد عمران.

بعد سنوات قليلة قاد حافظ الانقلاب العسكري الأخير في سوريا بتاريخ السادس عشر من نوفمبر (تشرين الثاني) 1970، والذي أطلق عليه الحركة التصحيحية، ليقفز وزير الدفاع العلوي الأول في تاريخ سوريا على عرش بلاد الشام، وعين حافظ أخاه الشقيق في منصبين آخرين، بالإضافة لقيادة سرايا الدفاع؛ فصار رفعت نائب الرئيس السوري أي بحكم الدستور الذي وضعه حافظ الرجل الثاني في الدولة، كما أسند إليه رئاسة المخابرات السورية، وأصبح التخلص من مناوئي النظام الطائفي السياسيين في سوريا أو الهاربين خارج حدود البلاد على حد سواء.

زاد حافظ من تسليح وعدد مقاتلي سرايا الدفاع ليكونوا عونًا له ضد من تسول له نفسه الخروج على سلطته المطلقة، وهكذا بات رفعت الأسد وفصيله الطائفي أقوى حتى من وزير الدفاع وقتها، مصطفى طلاس، ومن الجيش السوري نفسه، وبمرور الوقت أكد رفعت جدارته بأن يكون الرجل الثاني في النظام الحاكم، خاصة بعدما احتدم الصراع بين حافظ وتنظيم الطليعة المنشق عن الإخوان المسلمين بين عامي 1975 و1976، بعدما نجح رفعت في التخلص من قائد التنظيم وخصم الأسد العنيد، مروان حديد، في معتقله.

ومع شن حافظ حربه الضروس على الطليعة المقاتلة بين 1979 و1982 عاد رفعت لواجهة الأحداث من جديد؛ فقد عين حافظ شقيقه الذي لا يقل إجرامًا عنه حاكمًا عسكريًّا لإدلب وحلب وحماة عام 1980، ثم حمص في العام التالي؛ لمواجهة حملة السلاح ضد النظام، وارتكبت سرايا الدفاع مجازر مروعة خاصة في حلب، راح ضحيتها ما يربو على الأربعة آلاف قتيل في الألمجي، والكلاسة، وبستان القصر، وقلعة حلب، دفنوا في مقابر جماعية.

أما الجريمة الأبرز التي ارتكبها رفعت وتباهى بها أمام القاصي والداني، هي تنفيذه مجزرة حماة طوال سبعة وعشرين يومًا من شهر فبراير 1982، وأباد خلالها ثلث سكان مدينة النواعير؛ لتكون أمثولة لكل من تسول له نفسه رفض حكم العائلة، ونال التكريم من حافظ على جريمته النكراء، وعلى الرغم من اتفاق رفعت وحافظ في الإجرام والطائفية، فإن رفعت اختلف عن أخيه في أمرين:

الأول: رغبته العارمة في جمع أكبر قدر من المال دون التفكير في إقامة حكم سياسي متوارث، كما كان يسعى حافظ، وهكذا عمل رفعت في أي شيء يجلب المال، حتى وصل به الأمر للعمل مع تجار المخدرات ومهربي الآثار في سوريا ولبنان.

الثاني: رفضه التحالف بين إيران الخمينية ونظام حافظ البعثي العلوي؛ فقد اعتبر رفعت أن ملالي طهران هم النسخة الشيعية من الإخوان المسلمين، فكيف نحارب هؤلاء ونتحالف مع أولئك؟

ومع رغبة رفعت في حكم سوريا تصادم مع أخيه الطاغيه في فبراير ومارس (آذار) 1984، وانتهي به الأمر منفيًّا في روسيا، ثم أوروبا ومعه 400 مليون دولار منهوبة من أموال السوريين، وبعدما صار من كبار المستثمرين في أوروبا، اندلعث الثورة السورية فوجدها فرصة لعرض نفسه رئيسًا لسوريا بدلًا من بشار الذي زلزلت الأرض من تحته، غير أن الثوار السوريين كان لهم رأي آخر.

نجح نشطاء الثورة في تقديم ملفات تؤكد تكوين رفعت لثروته من أموال منهوبة، وعليه جمدت المحاكم الفرنسية مليار يورو من أموال الأسد الأخ، و750 مليون أخرى في أسبانيا، فوجدها رفعت فرصة للهروب من العقاب، فكان طلب دريد من بشار ليتمكن أبوه من العودة للوطن ليذوق رفعت وهو في الثالثة والثمانين من عمره الألم مرتين:

الخروج مرغمًا من الوطن، وذل الاستعطاف للعودة إليه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ارحموا, ذل, سفاح, قوم
عرض التعليقات
تحميل المزيد