كما هي عادتي انتهيتُ من محاضراتي الجامعية، وسط صداعٍ شديدٍ حل برأسي، وخرجتُ من الجامعة؛ لأستقل سيارة أجرة، وأعود إلى بيتي.

جلستُ في المقعد الخلفي بجانب امرأةٍ، وطالبةٍ جامعية، وفي المقعد الأمامي ركب رجل ملامحه تقول إنه في عمر الثلاثين؛ متجهين جميعنا إلى «مخيم النصيرات».

وكما هي العادة أيضًا في كل سيارة نركبها، يتم فيها مناقشة المواضيع الاجتماعية، والقضايا الأسرية، والأوضاع السياسية؛ ليلقي كل راكب فيها كلمته، مشاركًا إيانا لبعض من تفاصيل حياته، أو مواقف حدثت معه في يومه.

يقول الراكب للسائق بعد سلام حميم، تبين حينه أنهم أقارب: «والله من يومين يا قرابة، رحت أصلي الفجر بالجامع الفلاني، تبع السلفيين، إلا هو أجاني ولد تقريبًا عمره 16 أو 17 سنة، بيقلي والله يا أخ أبو العبد إحنا مبسوطين منك كتير، إنك بتيجي تصلي عنا بجامعنا، وخسارة عليك تصلي في جامع تاني، إحنا حابين تكون دايمًا عنا وتنضم إلنا».

أكمل حديثه: «بعد ما تكلمت أنا وياه، وشديت معه شوي في الحكي، قلتله إنه الجوامع هادي لربنا، وبنصلي فيها لربنا، وهي مش ملك لفصيل ولا جهة معينة.. إلا هو بيصدمني بيقلي يعني عاجبك المجتمع إللي إحنا فيه، كلهم كافرين، مش شايف لبسنا، وحياتنا، وأكلنا، وشربنا؟ أنا بتمنى إنه ربنا يهديك، وتضل تصلي عنا بالجامع، وتكون معانا؛ علشان ربنا يرضى عنك، وعن ذريتك. خلانا كلنا كافرين يا قرابة، خلى كل المجتمع كافر، وعيشتنا كلها كفر، وصرت من وقت ما صليت عندهم بالجامع دخلت الإسلام.. والله إشي بيشيب الرأس، كيف ولد عمره هالقد بيحكي هاد الكلام؟! وين أهله عنه؟ والله إنه غسيل دماغ يا قرابة».

بعدما كنت منصتة لحديثهم، استوقفتني كلمة غسيل دماغ؛ لأتذكر ما قالته جارتنا آمنة لأمي، إنها منعت أطفالها الثلاثة من الذهاب إلى الجامع القريب، من بيتنا في «مخيم البريج».

قالت لها: «لما قعدوا الولاد عن المدارس بإجازة نص السنة، قلت أوديهم على الجامع؛ يحفظوا قرآن.. لقيت الولاد بيرجعوا على البيت معمول إلهم غسيل دماغ، يختي الولد أبو تالت ابتدائي بيسأل أسئلة غريبة بيقلي ليش يا ماما بتقعدي هيك بشعرك قدام بابا؟ ليش هيك بتلبسي قدام سيدو؟ خلاني أنجن، قعدتهم عن الجامع، وصرت أحفظهم بالدار، وما بدي ياهم يروحوا عالجوامع».

حينها أدركت تمامًا أننا أمام كارثة حقيقية.. شر التطرف.

كارثة التطرف في تطبيق الدين، وفي الدعوة إليه، وكارثة التلاعب في الإرث الديني، وترجمة القرآن وآياته؛ لإيصال رسائل وأفكار، من شأنها نشر التطرف، وغرسه في عقول الأطفال، وفي أذهانهم؛ لتكبر هذه الأفكار معهم، ويصبحون في حالة تشتت، وانفصال عن الواقع؛ والسبب هم هؤلاء الوعاظ، ورجال الدين – كما يسمون أنفسهم -، الذين يتخذون من القرآن مصدرًا ومرجعًا، لكل الأفكار المنحرفة والمتطرفة؛ لإقناع الشباب غير الواعي، والمنساق وراء عواطفه، وتساؤلاته التي تحتاج العقول السليمة، للإجابة عنها.

وسط هذه النماذج أصبح الخوف على أبنائنا من ذهابهم لبعض المساجد، واختلاطهم مع أصحاب الفكر المنحرف، بقدر خوفنا عليهم من تعاطيهم الحبوب المخدرة، فما الفرق بين تلك الأفكار التي تزرع فيهم، والحبوب المخدرة؟

وكما نعرف أن التطرف هو؛ تجاوز حد الاعتدال والوسطية في الأفكار والأفعال، التي يرفضها العقل البشري السليم، والنفس السوية، فإن التطرف أو الإرهاب بشكل عام، يبدأ وينشأ بفكرة مقتنع بها فاعلها، فيطبقها بأفعال إجرامية، ظنًا أنه يخدم قضيته، لكنها فعليًا تكون قد حققت مصالح سياسية، ونفذت أجندات خارجية، من شأنها بث السموم، في إرثنا الديني، وعقول الشباب.

ومن خلال ذلك نستطيع أن نقول إن الإرهاب غير مرتبط بدين معين، ولا يقتصر على حضارة، أو بلد معينة، لكني مؤمنة بأن الإرهاب مرتبط بالتطرف الفكري، والتخلف في تطبيق الدين، أيًا كان الدين، حتى الإلحاد هو ناتج عن تخلف في تطبيق الدين؛ إذًا يلزمنا في مجتمعاتنا العربية، دعاة، ورجال دين أصحاء، دينيًا، وعقليًا؛ حتى يكون لهم التأثير الإيجابي والسليم، على نفوس وعقول الشباب العربي.

ومع ذلك الخطر الذي تواجهه المجتمعات العربية والإسلامية «خطر الفكر المنحرف والمتطرف»، الذي من شأنه نشر الفساد، واستباحة الدماء باسم الدين؛ أصبح الإنسان بحاجة للبحث الغزير، للحصول على الدين الذي شرعه الله، لأسمى الأغراض وأنبلها؛ وهي هداية الناس للحق، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، ليرشد الناس إلى العقيدة الصحيحة، التي تحفظ المجتمعات من الجهل والرجعية، بكافة أشكالها، الدين الذي يحثنا على ترك الخَلق للخالق، وأن نتقبل الآخر، بكل أفكاره ومبادئه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد