نعيش في زمن قد زادت فيه طرق الاتصال ولكن فقدنا فيه مهارات التواصل.

وازدادت المسافات بين الناس بشكل كبير، بين الآباء وأبنائهم، بين الأزواج – وهو ما يسمى بالخرس الزوجي – وبين المديرين والموظفين، بين الأصدقاء والجيران وبين الإخوة… فما عاد أحد يستطيع فهم الآخر ولا استيعابه… ويأتي السؤال هنا: لماذا؟

الإجابة هي: لا أحد يستمع جيدًا للآخر!

كلٌ منّا يحتاج إلى من يستمع له بإنصات، عمّن يحكي له فيعبر عن ما يقلقه أو ما يسعده، ولكن في نفس الوقت نجد أننا نخاف ممّا سنقوله وممّا يدور في داخلنا… وتظهر لدينا بعض التساؤلات أو المخاوف مثل: هل سيتفهم من أحكي له ما أحكيه وهل يستمع إلي بإنصات؟ أم هل سيبدأ في الحكم عليّ؟ تُرى هل سيبدأ في استعراض الحلول والنصائح؟ أم في إلقاء المحاضرات وسرد تجاربه الشخصية؟ هل سيقبل ويتفهم ما أقوله أم سيستعد في توجيه الانتقادات؟ هل سيظهر تعاطفه لما أحكيه أم يبدأ في السخرية والاستهانة بما أقول؟

الكثير والكثير من هذه الأسئلة تراودنا عندما نفكر ونبحث عن الشخص المناسب ليستمع لنا.

وهذا ما يمكن أن نعاني منه عندما نقرر “الفضفضة”… فهي قليلا ما تؤتي ثمارها، بل إنها أحيانا كثيرة تزيد من آلامنا وأوجاعنا.

ولذلك يفضل البعض اختيار الكتمان بدلا من الفضفضة، ويظن أن ذلك أفضل لتفادي ردود الفعل المختلفة والتي لن تساعده بأي حال من الأحوال..

ولكننا نخاف على هذا النوع من الأشخاص الذي يكتم بداخله طوال الوقت من إحدى لحظات الانفجار والتي قد تأتي فجأة وبدون مقدمات والتي لا نفهم وقتها ماذا يحدث… فهي تراكمات لا نهائية من الهموم والمشاكل التي لم تتم معالجتها أو التنفيس عنها بشكل صحيح.

وهناك من يقرر أن يبحث بعيدا أو في العالم الافتراضي إلى من يستمع له… ولهذا السبب ظهرت الكثير من المنتديات والمجموعات في عالم الإنترنت فقط للفضفضة ومشاركة الهموم

وقررالبعض أيضا اللجوء للمعالج النفسي أو الطبيب النفسي لنفس السبب

إذن ماذا نريد ممّن حولنا عندما نحتاج لهم؟ وماذا نحتاج ممّن يستمع إلينا؟ إن ما نحتاجه هو التواصل الحقيقي عن طريق الاستماع الفعّال.

أحتاج ممّن يسمعني: أن ينصت لما أقوله بغير تعليق أو تدَّخُل، أن يتعاطف معي فيما أقوله، أن يشعر بي ويتفهمني… ولكن كيف يتم هذا؟

كنت في إحدى ورش العمل التي تتبناها مؤسسة غير ربحية في الولايات المتحدة وقد بهرني ما تقدمه هذه المؤسسة، فهي تكّون مجموعات من الآباء والأمهات ممن يرغبون في كل مدينة ويجتمعون مرة كل أسبوع مع متطوع من المؤسسة… وفي هذا اللقاء الأسبوعي كل ما يفعلونه هو الاستماع!

فإن هدف هذه المجموعة هو الاستماع لبعضهم البعض ومشاركة ما يحدث لهم خلال الأسبوع أو مشاركة همومهم سويًّا رغم أنهم لا يعرفون بعضهم البعض… سوف يستغرب البعض؛ وماذا يمكن أن ينتج عن هذا اللقاء وماذا يفعل الاستماع فقط؟

هذا ما تعلمته… أنّه يفعل الكثير والكثير… أنّه يبعث على الراحة النفسية وإزاحة الهموم من الصدور.

الاستماع يجعلك تشعر أيضا بالآخرين… فلست وحدك من يحمل الهم، وتدريجيا ينمو لديك إحساس المشاركة… ثم تفهم نفسك أكثر ومن ثَمَّ ستجد الحل لمشاكلك بنفسك عندما تستطيع أن تعبّر عنها بشكل جيد .

مثل هذه اللقاءات تعطيك طاقة إيجابية تستكمل بها حياتك اليومية… لأنك تجد من يستمع إليك ويتواصل معك دون تحليل أو تدَّخُل أو انتقاد.

هناك الكثير من الفوائد التي تعود علينا عندما نجد من يستمع إلينا بالطريقة الفعَّالة، وأيضًا عندما نتواصل جيدًا مع الآخر… فهل نمتلك فن التواصل والاستماع الفعّال؟

إليكم بعض الخطوات التي تعلمتها لكي تجيد مهارة الاستماع الفعال لمن حولك:

أولًا: الثقة

هل أنت أهل للاستماع والثقة أم أنك ستنقل ما يقال لك؟ وتستهين بهذه الثقة التي أُعطيت لك؟ اعلم أنه من أبسط قواعد الأمانة واحترام الآخر هو احترام ما يقوله لك واحترام ثقته فيك وأنه بمجرد أن يعرف أنك لا تقَّدر هذه الثقة، فإنك ربما تخسره أو تكسر ثقته فيك.

ثانيًا: درب نفسك على الإنصات

أنصت جيدا لمن أمامك بدون أي تدخل أو تعليق أو مقاطعة!

جرّب هذا التمرين: اضبط ساعتك وأَعْط نفسك ثلاث دقائق، ثم اجعل مَن أمامك يحكي لك شيئًا وركِّز جيدا في رد فعلك ولا تُّعلق بشيء… هل نجحت في ذلك؟ هل تستطيع تكرار ما سمعته؟ أم شرد ذهنك في شيء آخر؟

وعندما تنجح، اسأل نفسك عن شعورك بعدها وبماذا شعر من أمامك عندما نجحت في الإنصات إليه جيدًا؟

ثالثًا: أظهر تعاطفك

لا تنتقد مهما حكى لك الشخص الذي أمامك… أشعره بالقبول وضع نفسك مكانه… أشعر من أمامك أنّه هو مصدر الاهتمام وليس أنت… لا تبدأ بإعطاء النصائح أو سرد الانتقادات والأحكام… اعلم أنك لو بدأت بذلك، فلن يحكي لك ثانية… فليس هذا ما يحتاجه!

وأخيرًا: اسأل بعض الأسئلة المحفزة

اسأل بعض الأسئلة التي تساعد على فهم المشكلة… لإشعار من أمامك بالاهتمام ومساعدته على التنفيس عن مخاوفه والتعبير عنها.

ويطلق عليها الأسئلة الفضولية ولكن احذر ثانيةً هذه الأسئلة ليست لإصدار الأحكام أو عرض الحلول… إنها فقط للمساعدة وحث من أمامك لإيجاد الحلول وفهم نفسه أكثر..

هل تعلمون أصدقائي لماذا نجحت تطبيقات السوشيال الميديا مثل الفيس بوك وغيرها نجاحًا مبهرًا؟ لأنها قدمت متنفسًا للناس… يستطيعون من خلاله الكلام عن أنفسهم والتعبير عمّا يدور بداخلهم.

وعلى نحو آخر لقد سببّت الكثير من المتاعب والمشاكل للبعض… لأننا لا نعلم شيئا عن الاستماع الجيد للآخر وتقبل الاختلاف.

لذلك أرجو ممّن قرأ هذا المقال أن يحاول تطبيق هذه الخطوات مع أحبائه وأصدقائه وممّن يهتم بهم، فالكل يعاني ويبحث عمّن يستمع له ويتواصل معه

إن الاستماع الجيد هو من أهم مقومات نجاح أي علاقة إنسانية… فلا يوجد اهتمام حقيقي بغير مستمع جيد.

فإذا كنت صديقًا، قريبًا، حبيبًا، مديرًا، مربيًا أو مسئولًا..

فلتكن أنت هذا المستمع الجيد!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الاتصال
عرض التعليقات
تحميل المزيد