بعد نشر الجزء الأول، لفت انتباهي أحد الأصدقاء لقضية مهمة في هذا السرد التاريخي ربما أغفلتها، فسألني كيف استطاعت الكتلة الوطنية أن تنظم إضرابًا شل البلاد، وأجبرت الفرنسيين على التفاوض مستفيدة من الوضع السياسي الدولي المضطرب والصراعات على الساحة العالمية، بينما لم يستطع أي تيار أن ينجز عملًا على نفس المستوى في زماننا الحالي؟

هذا السؤال جعلني أفرد هذا المقال في هذه السلسلة للحديث عن التيارات السياسية الفاعلة في الساحة السورية بعيد الاستقلال، ففهم التركيبة السياسية الموجودة إذ ذاك مهم جدًّا قبل المسير في الحديث عن الصراعات التي دارت على السلطة والنفوذ في هذا البلد، ودوافعها الداخلية والخارجية.

إن الدارس للحالة السورية ووضعية الانتداب الفرنسي، يلاحظ أن هدف الفرنسيين في المشرق كان الحفاظ على مصالح اقتصادية وإستراتيجية «بعكس الجزائر مثلًا والتي تواجد فيها الفرنسيون كاستعمار استيطاني وأجرموا إجرامًا منقطع النظير»، لذا فهم بالغالب عملوا على حفظ الاستقرار وتجنب الصدامات العنيفة، وبنهاية الثورة السورية الكبرى لم تسجل على الأراضي السورية أي صدامات مسلحة عنيفة طويلة.

أما على الجانب السياسي فقد تمتعت النخب الوطنية، والتي شكلت الكتلة الوطنية في ما بعد بهامش من القدرة على العمل السياسي، وهذا هو السبب الأول في قدرتها على تنظيم الأعمال السياسية.

أما السبب الثاني والأهم فهو أن الكتلة كانت معبرة عن مصالح طبقة مهمة وفعالة «طبقة التجار» في المجتمع السوري وقتها، وتحديدًا في المدن الكبرى، أي أنها نابعة من داخل المجتمع ما ساعدها على التأثير فيه عكس المعارضة الحالية المنفصمة عن المجتمع، وهذا ما سنوضحه بشكل أكبر في السطور التالية.

التيارات العاملة والناشئة في الحقل السياسي السوري بعيد الاستقلال

يمكننا أن نقسم هذه التيارات إلى تيارات تقليدية، وتيارات عقائدية ذات مرجعية فكرية علمانية، وتيار إسلامي، وأخيرًا الجيش والذي سيصبح تدخله في السياسة من سمات هذه الحقبة.

  • التيارات التقليدية الناتجة عن انقسام الكتلة الوطنية:
    1. حزب الشعب: هو حزب تقليدي نتج عن انقسام الكتلة الوطنية بعد الاستقلال عام 1947، يمثل الطبقة البرجوازية الصاعدة المتولدة عن تطور الطبقة الإقطاعية القديمة، وهذه الطبقة كانت صاحبة المال والنفوذ خاصةً في حلب وحمص وحماه.
      كان الحزب مؤيد بشدة للوحدة مع العراق والأردن تحت التاج الهاشمي «التابع لبريطانيا» وذلك بسبب مصالح هذه الطبقة الاقتصادية مع العراق، ويجب علينا أن نعي أن الهاشميين ظلوا يمثلون شرعية سياسية بالنسبة للعرب، يتم التطلع لها كبديل عن شرعية الخلافة الإسلامية المتمثلة في الحكم العثماني الزائل في عشرينيات القرن الماضي، وذلك بسبب نسبهم وقيادتهم للثورة العربية الكبرى.

استمر نفوذ للهاشمين إلى أن نازعهم إياه عبد الناصر في الخمسينات قبل أن تسقط ثورة عبد الكريم قاسم التاج الهاشمي في العراق.
حزب الشعب بالعموم ضم نخبًا ليبرالية تؤمن بالقومية العربية، لكنه لم يكن بحال من الأحوال حزبًا عقائديًّا بل معبرًا عن مصالح طبقة معينة كما أسلفنا، من أهم رجالاته وقادته المؤسسين رشيد الكيخيا وناظم القدسي من حلب، وآل الأتاسي في حمص كعدنان الأتاسي ابن الزعيم هاشم الأتاسي والمحامي فيضي الأتاسي.

  1. الحزب الوطني: هو الحزب التقليدي الآخر الذي ورث الكتلة الوطنية، ويمثل طبقة تجار دمشق، لم يكن له أي منهاج أو توجه أو نظام إنما كان عبارة عن تجمع لمجموعة من الوجهاء والتجار، عارض سياسة حزب الشعب الذي اعتبره منشقًا عنه، أما السبب الرئيسي للخلاف بين الحزبين كان اقتصاديًّا مناطقيًّا «الصراع على الصدارة الاقتصادية بين حلب ودمشق». مال الحزب إلى المحور السعودي المصري الناشئ الذي يحظى بالرضا الأمريكي، فعلى الرغم من أن مصر كانت ما تزال تحت الحماية البريطانية لكن الوضع البريطاني فيها كان مخلخلًا ويسمح بالانتقال للمحور الأمريكي في أقرب فرصة، كما سيحدث لاحقًا في ثورة يوليو/ تموز 1952.
    كما أفراد حزب الشعب، كان رجالات الحزب الوطني قوميين غير عقائديين، يبحثون عن الوحدة العربية.
    من أبرز زعماء الحزب الوطني الرئيس شكري القوتلي، وفارس الخوري، وصبري العسلي.
  • تيارات عقائدية علمانية اشتراكية على النمط الشمولي:
    1. الحزب السوري القومي الاجتماعي: حزب يرفع راية القومية السورية وينادي بوحدة بلاد الشام الطبيعية وقبرص، مستمدًا فكرته القومية من إحيائه لحضارات التاريخ القديم في بلاد الشام والعراق (الفينيقيين والكنعانيين والآراميين والآشوريين و…)، كان حزبًا شموليًّا على النمط الفاشي يتبنى الاشتراكية كنظام اقتصادي، علمانيًّا يدعو لفصل الدين عن الدولة.
      نشط الحزب في سوريا ولبنان وفلسطين.
      أبرز شخصية في الحزب هو المؤسس أنطون سعادة، لم يكتب للحزب أن يلعب دورًا كبيرًا على الساحة السورية إذ تم حظر نشاطه بشكل كامل في سوريا بعد اتهام أحد أعضائه باغتيال العقيد عدنان المالكي عام 1955، وكان سعادة قد أعدم في لبنان قبل ذلك في عام 1949.
    2. حزب البعث العربي الاشتراكي: حزب قومي عربي اشتراكي علماني نشأ في بداية أربعينيات القرن الماضي، ورفع شعارات الوحدة والحرية والاشتراكية.
      لعب الحزب منذ الخمسينات دورًا مهمًّا على الساحة السورية، وشارك أعضاؤه في عدة وزارات إلى أن تمكن الضباط الموالون له في الجيش من الانقلاب والسيطرة بالقوة على الحياة السياسية في سوريا منذ عام 1963.
      على الرغم من أن المؤسسين كانوا من أبناء المدن الكبرى في سوريا، فصلاح البيطار وميشيل عفلق كانا من أبناء دمشق وشريكهما اللاحق أكرم الحوراني من أبناء حماه، لكن قواعد الحزب انتشرت في الريف السوري والمدن الصغيرة بشكل أكبر، ففي المدن الكبرى كانت الغلبة للتيارات التقليدية، والملاحظ أن الحزب منذ البداية نشط في صفوف ضباط الجيش الصغار وصف الضباط في وقت مبكر ما وفر له القاعدة للسيطرة على الحياة السياسية في سوريا كما أشرنا.
  • الحزب الشيوعي: نشأ الحزب الشيوعي السوري في كنف الحزب الشيوعي الفرنسي، ثم أصبح مستقلًا بعد حل الحزب في فرنسا، انضم إلى الأممية الشيوعية (الكومنترن)، وبالتالي أصبح تابعًا مباشرًا للسوفيت، من أهم رجالات الحزب خالد بكداش وهو أول برلماني شيوعي عربي.
    لم يتمتع الحزب بتلك القوة في الشارع السوري بالرغم من أن الكثير من النخب المثقفة تأثرت بأفكاره.
  • التيار الإسلامي:
    1. تيار الإسلام المشيخي التقليدي، كان بعيد عن الوعي السياسي، وانضوى تحت الأحزاب التقليدية في مواجهة الأفكار الإلحادية الشيوعية والاشتراكية للتيارات القومية اليسارية.
    2. الإخوان المسلمون: جماعة تأسست عام 1942 على يد د. مصطفى السباعي، وتعد امتدادًا للجماعة الأم في مصر، والتي تهدف إلى إعادة بناء الفرد المسلم، فالأسرة المسلمة، وصولًا للمجتمع المسلم، فالدولة، وإعادة الخلافة وإن كانت فكرة الخلافة غير مؤطرة بشكل واضح، بل إنها اختفت من أدبيات الجماعة بعد المؤسس الإمام حسن البنا رحمه الله، كما أن الجماعة لم تنتج فكرًا سياسيًّا واضحًا مستقلًا، بل تفاعلت مع الواقع السياسي بطريقة مصلحية غير مبدأية فشاركت في الحياة السياسية في سوريا، وأوصلت مجموعة من النواب للبرلمان، وشاركت في عدة حكومات. ولا شك أن الجماعة حققت نجاحًا في المجال الاجتماعي أكبر بكثير منه في المجال السياسي.
      بعد سيطرة البعث على السلطة في سوريا حصل التصادم بين التيارين انتهى بالقضاء على وجود الجماعة في ثمانينيات القرن الماضي.
      من أبرز رجالات الجماعة الدكتور مصطفى السباعي، والمفكر عصام العطار، والشيخ سعيد حوى، والشيخ عبد الفتاح أبو غدة.
  • الجيش السوري: قد يكون غريبًا أن يكون الجيش أحد المكونات السياسية، لكنه في سوريا بعد الاستقلال لعب دورًا كبيرًا في توجيه الحياة السياسية «كما أغلب الدول العربية».
    هذا الجيش والذي ذكرنا أنه عبارة عن تطوير لجيش المشرق الذي كونه الفرنسيون كان فرصة معيشية مناسبة لبقية مكونات الشعب السوري خارج المحافظات الأربع الكبرى «دمشق، حمص، حماه، حلب»، تحديدًا للأقليات التي اعتمد عليها الفرنسيون أصلًا كمكون رئيسي لهذا الجيش، فكانت نسبة الأقليات ضمنه أكبر من حجمها الحقيقي في البلد، أما السنة فقد نظروا عمومًا للجيش بعين الريبة خاصة وأنه كان يخدم الفرنسيين فترة الانتداب، وإن كانت الرتب العليا ما تزال في غالبها لضباط من المدن الكبرى.
    كان أفراد الجيش مسيسين وموزعين على كامل الطيف السياسي السوري، فلعب الجيش دورًا خارج ثكناته وداخل الحدود أكبر بكثير من الدور الذي لعبه على الحدود.
    سيقوم هذا الجيش بثلاثة انقلابات تصبغ الحياة السياسية في سوريا قبل الوحدة مع مصر بانعدام الاستقرار والتقلبات الناتجة عن الصراع الدولي على هذه البقعة كما سيأتي.

في هذا الاستعراض السريع نلاحظ غياب الاتفاق على هوية محددة تعرّف البلد وسكانه، وإن كان التوجه الوحدوي العربي هو الظاهر عند أغلب التيارات، مع عدم اتفاق على شكل هذا التوجه ومرجعيته، كما نلاحظ أن أغلب هذه النخب ارتبطت بمحاور كانت مغطاة من إنكلترا أو أمريكا أو السوفيت «القوى الكبرى»؛ ما ترك البلاد في حالة من الفوضى بعد الاستقلال زاد من تأزمها هزيمة الجيوش العربية في حرب فلسطين 1948، ونشوء كيان معادٍ على أرض عربية يضرب الأحلام العربية بالوحدة في مقتل. وقد وصل ذلك الكيان إلى الحدود السورية فكانت البلاد على تماس مباشر معه؛ ما جعل الطامحين من ضباط الجيش يستغلون القضية الفلسطينية في تبرير كل انقلاب عسكري سيقومون به.

كما نلاحظ غياب أي تيار يحمل فكرة إحياء الحضارة الإسلامية وإعادة الإسلام إلى مكانته في الدولة والمجتمع بتميز يأخذ من الأصول لا من انبهاره بأفكار الغرب والشرق، ويعمل على مستوى الأمة ليحشدها ليحقق لها استقلالها الحقيقي وفك ارتباطها بالمستعمر بشكلٍ كامل، هذا الاستقلال الذي لا يمكن لها التقدم والبناء بدون تحقيقه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

الصراع على الشرق الأوسط باتريك سيل
سوريا صنع دولة وولادة أمة، وديع بشور
موسوعة المقاتل
المسألة السورية المزدوجة ميشال كريستيان
عرض التعليقات
تحميل المزيد