دخل المقدسيون إلى باحات وساحات المسجد الأقصى، وتجدد اللقاء فكان أجمل لقاء، في منظر مهيب – ذرفت لأجله الدموع –، وعلت صيحات التكبير من جديد وأذن مؤذن القدس من هناك كما أذن بلال بن رباح – رضي الله عنه – وقت فتح الشام، ودخل المرابطون تحفُّهم رايات النصر دخول مختال يحبه الله في هذا الموضع، وعلت زغاريد الفرح وعلت تنهيدات اللقاء بعد اشتياق ونادى المنادون أن القدس منا ونحن منها، لا تنازل ولا تفريط ولا تردد عن حقنا، فنحن الذين أقسمنا لحفظها، نمضي إلى ذلك ولا نتردد.

هل انتصرتا بالقدس؟ أم القدس انتصر بنا؟!

إذا كانت معركة الفرقان سميت بالكاشفة حينما كشفت عورة الأنظمة وتخاذل الهيئات وتواطؤ المؤسسات فأحداث القدس تسمى بـ«المؤكدة»، حينما أكدت على أن الأنظمة لم تكن يومًا للقدس ولا لحمايتها ولا للذود عنها وإلا لما تجرأ الاحتلال على ما فعل، وأكدت أن الهيئات والمؤسسات دينية كانت أم سياسية تسمي نفسها مرجعية أم غير ذلك لا تتحرك إلا بإشارة من حكوماتها وهذه الفتاوى التي تصدر تتغير حسب المواقف السياسية والرغبات الشخصية ومن ثم يجدون لهذه الآراء وجهًا يسمونه وجه حق.

في الوقت الذي ضيّق الاحتلال الصهيوني على المقدسيين وحرموهم من دخول المسجد الأقصى بحجة الإرهاب تارة والعمر المسموح به تارة أخرى، وفي الوقت الذي كان الجندي الصهيوني يتجبر داخل ساحات ثالث المسجدين، كانت الأنظمة نائمة، والهيئات منشغلة بمسائل الطهارة والنفاس ولست أعترض على المسألتين آنفتي الذكر إنما أعترض على ترتيب الأولويات، فطهارة الروح من النجاسة أولى وطهارة النفس من الخيانة أولى، فالروح النجسة لا يطهرها ماء ولا تقومها إرشادات إنما يطهرها موقف نصرة للقدس تستعظم فيه الروح نفسها فتتطهر، يا أيها المتخاذلون الأقصى غني عنكم ولكن قفوا معه لأجلكم، لكرامتكم لتتطهروا، فهل أنتم أغنياء عن طهارتكم؟!

أما الشعوب الحرة فخرجت من كل النواحي من كل بيت وحارة تنادي بصوت واحد «القدس لنا» هتفوا بحناجرهم يشهدون الله أن يفدوه، وذرفت دموعهم لقلة حيلتهم، ورفعوا أيديهم إلى رب السماء داعين لتحرير أولى القبلتين، هذه الشعوب المنتفضة بتعلقها بالمسجد الأقصى تثبت أنها شعوب حية ما زال ينبض فيها حب القدس.

وفي الوقت الذي بدأت بوادر لانفراج الأزمة بالظهور، بدأ السلاطين بتحريك زبانيتهم، فذاك فوق منبر رسول الله في أطهر البقاع ينسب النصر لوليه، وذاك يثمن دور وليه الذي لولاه لضاعت القضية فضلًا عن المسجد الأقصى، وتستمر قضية القدس «المؤكدة» لتؤكد أن من الدعاة والأنظمة والعلماء عبئًا على القدس والأقصى.

إليكم أيها المرابطون:

من في القدس إلا أنتم أيها المرابطون، ومن في القدس إلا أنتم أيها المقدسيون، سطرتم بإصراركم ووحدتكم في وجه العدو انتصارًا عظيمًا، كنتم وحدكم – والمخلصون من هذه الأمة يمدونكم بالدعم المعنوي ويدعون الله لكم بالنصر – بل التجأتم إلى الله ومن التجأ إلى الله فقد كفاه.

يا أصحاب الأيادي المباركة تحول الحجر من أيديكم إلى طير أبابيل وتحولت سكينكم إلى رعب يدب في قلوب المحتلين، لا تلتفتوا إلى المثبطين فوالله سكين من أياديكم تخيف العدو أكثر من خوفهم من جيوش عرب، وإن سكينكم لأعظم تأثيرًا من خطابات أنظمة وجدت لقتل أحلامكم، كونوا مع الله، الله وليكم وناصركم.

إليكم يا نبض الشعوب:

إلى الذين بثوا في الأمة روح القدس ونفخوا فيها معنى المقاومة، إلى الذين احتضنوا القدس قضية رئيسية، إلى الذين حشدوا ونظموا وخرجوا نصرة للأقصى، إلى تلك الحناجر النابضة وتلك القلوب الخاشعة إلى أولئك: «أنتم نبض الشعوب وشريان حياتها» سيروا فعين الله ترعاكم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد