هَلْ سَأَلْتَ نَفْسَكَ يَوْمًا فِي صَمْت وَصِدْق: مَنْ أَكُون؟
عَلَى الفَشل، والخَوف، والجَهل، وَالفَقر أتكلم، نعم سَنَسْقِيهِ السُمَّ وَيَسْقِينَا، وَمَنْ يُعَالِجُ نَفْسَهُ، ويُحَصِّن فِكْرَه، وَيَفُكّ أَسْره، وَيُغْنِي فَقْره، فَهُوَّّ الأَصْلَحْ. لقد قتل الفقر صاحبه بقوة الإيحاء فقد أسمعه صوت الجوع، والعطش، واللَّوم، والنَّدم، والخَذلان، والضياع منذ زمن بعيد، حتَّى تمكَّن منه وقيَّده. وما كانت هذه الأصوات إلاَّ الفراغ الفكري، والخوف المَرَضِي الدَّاخلي، الَّذي وَلَّد العَجز والفقر بِقلْب الإنسان وعقلَه، لكنَّ الوهم هو في الحقيقة مَنْ قَتل صاحِبه.

وَمَعْنَى هذا أن الفقراء، وأقصد فقراء العِلْم، المعرفة، الأخلاق، القيَّم.. وكل شيء جميل يليق بهذا الإنسان، خَلقه الله تعالى بيده من تُراب الأرض، ونفخ فيه من رُوحه، قال تعالى: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72)} [ص : 71-72]. كان خلقه على عدة مراحل، أولها التراب، وثانيها تحوّل التراب إلى طين، ثمّ الطين إلى حمأ مسنون، وهو طين أسود متغيّر، بدليل قَول ربّ الأرباب: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) [الحجر: 26]. ثمّ صار صلصالاً كالفخار، قال تعالى: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ) [الرحمن:14].

فبعد النَّفخ صار هذا التُّراب إنسانًا، ذا عقل وقلب، وطبيعة مزدوجة. ثُمَّ بَعْدَ ذلك تأتي مراحل نمو الجنين في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ۖ) [الحج: 5]، ثمَّ في قوله عَزَّ وَجَلّ: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) [المؤمنون: 12-14].

كانت هذه نبذة صغيرة جدًّا عن كيفيَّة خلق الإنسان في القرآن الكريم، حتى نستطيع جميعًا معرفة مَن هُو هذا الكائن البشري، الذي يمكن أن يكون غَنيًّا جدًّا وراقيًّا جدًّا، وقد يصبح فقيرًا جدًّا ومُنْحَطًا جدًّا، نتيجة سياسة الاختراع والكذب والإلهاء، التي تعتبر علما يُرْصَدُ لَهُ المليارات، إضافة الى الكَمْ الهائل مِنَ الخبراء والباحثين، لاَ لِشيء إِلاَّ لإشغال عقول الناس وتنويمها بكثير مِن التفاهات المفبركة والهدَّامة للإنسانيَّة في مجملها، والقاتلة في كثير من الأحيان للتَّميُّز الفكري وللمفكرين، وللإبداع والمبدعين. خصوصًا وأن قانون اللعبة تغير، والأولوية أصبحت هي إبادة الفكر في مهده أولاً وفي عقول الناس ثانيًا، حتى يسهل تزويره وَكَوْسَلَته، لِكيْ يصبح الإنسان وسيلة من وسائل الاستهلاك الأنية، بميزات جديدة كُلِّيًّا تتناسب وحقبته الزمنية، بمعنى أدق، تصبح الحياة ومن فيها مختبرات إنسانية، تشتغل بمبدأ اللامركزية.

عِندها يسهل إلغاء مجموعة من المبادئ والقيم الإنسانية، أولها حب الحياة بالمعنى الدقيق المتَّزن، ثم التسامح، لأنه المدخل الرئيسي للتطور، وصولًا إلى الهدف المرحلي الخطير ألا وهو: الفوضى الداخلية الفتاكة، التي تفقد الرغبة في البقاء والتطور، وتنتج الأنانية المطلقة والشعبوية، فيصبح الإنسان يسعى إلى فشله وتدميره بكل الوسائل، لأن عملية التخدير تمت بنجاح، فتغيرت الأولويات وأصبحت من أتفه وأحقر الأشياء، نستحيي من ذكرها وتدوينها.
فمن أخطر الوسائل استعمالاً وانتشارًا وسهولة، نجد الإعلام بكل فروعه وتفرعاته، وهوَّ مُوَجَّه للطَّبقة الفقيرة طبعًا بمعناها الشمولي كما سبق الإشارة إليه، وبما أن اللُّعبة كبيرة واللاَّعبون كبار ومحترفون، فإنه فعلاً الفقراء هم أكثر الناس مشاهدة للتلفاز، أمَّا الأغنياء وأقصد بالغنى كذلك الغنى المطلق الشامل المتكامل، إذ لا يمكن أن نكون أغنياء بالمال وحده. يقرؤون الكتب، ويمارسون الرياضة، ويحضرون المنتديات الفكرية والأدبية والعلمية، سواء كانت محلية، أو وطنية، أو إقليمية، أو دولية.

الآن وحتَّى نكون واقعيِّن وعملَّين سوف نحاول التفكير ولو لوهلة في هذه الأسئلة التي لم تَسْمع به ضمائر بعضنا الحيَّة! من قبل، لأنها لم تحرِّك ساكنًا في مَنْعِنَا من مواصلة هذه العادات البائسة، أو حتى تنبيهنا على الأقل لحجم الركود الذي سوف يصيب عقولنا، نظرًا لعدد الساعات والأيام والشهور والسنين الضائعة هَبَاءً مَنْثُورًا أمام هذا الجهاز والانشغال بالأمور التافهة، كما أنها لم تقم بدفعنا إلى التفكير في أهمية الوقت وقيمته، وهذا ما نحاول القيام به نحن الآن وهو أضعف الإيمان، فبمجرد التفكيرِ بالوقت يجعل أهدافَ الإنسان نبيلة وطموحاته كبيرة، فنبحث ونسأل ونستمع ونقرأ ونحاور حتى نتعلم من الإسلام كيف ننفق أوقاتنا إنفاقًا استثماريًّا وليس إنفاقًا استهلاكيًّا.

لحظتها يتبادر إلى أذهاننا جمهور غفير غزير وافر ووفير مِن الأسئلة والتساؤلات أولها: كم عدد الساعات التي نقضيها في مشاهدة التلفاز كل يوم؟ كم عدد الكتب التي نقرؤها في السنة؟ متى كانت آخر مرة قمنا فيها بقراءة كتاب ما؟ ما هي الأسباب الحقيقية التي سبَّبت الفقر؟ وماهي الاستراتيجيَّات المجربة التي أنتجت الغنى؟

هذه كلها أسئلة يجب طرحها والإجابة عنها بكل صدق وموضوعية من وقت لآخر، حتى نستفيق من سباتنا ونعقد العزم ونتحلى بالحزم ونرفع الهمم، ونجيب بكل وضوح وتلقائية على هذه الأسئلة، ولسان حالنا يقول: يحصل الفقراء على المال مقابل عدد ساعات العمل، أما الأغنياء يدفع لهم مقابل النتائج، بمعنى أن الأغنياء يحصلون على المال بناء على النتيجة وليس على ساعات العمل، لأن رجال الأعمال يعرفون جيدًا قانون السوق، ولهذا فإن قاموا بعرض منتوج غير كفؤ، لن يهتم أحد بمقدار الوقت، والدم، والدموع والعرق. هنا سنلتقط أنفاسنا لوهلة ثم نضرب مثلًا حقيقيًّا، معاشًا، وشائعًا، يعرفه الكبير والصغير، المتعلم وغير المتعلم، العارف والجاهل، القاصر والداني، وهو أن الرياضي يحصل على أعلى أجر في العالم ليس على عدد مرات ولا عدد ساعات التمرين، ولكن بناء على الأداء

فَلا تَجعَلُ حياتكَ لا ترقى حتى لحياة الأنعام، تقضي عمرها في الأكل والنوم والتكاثر، تعلَّم واعمل وعلِّم واجتهد وتوكل على مسبب الأسباب، لتنعم بالراحة وتهنأ بالطمأنينة، هذا إذا أردتَ أن تحيى حَياةً لا خَوفَ فِيها ولا ملل، فالوقت عبارة عَن لِعبَةٍ زَمنيّة، لا تسمح للوقت والحياة أن يسيّرا حياتَكَ كَما تُريد، بَل أنت سَيّرها نَحوَ الطريق الصّحيح لتَكُونَ حَياتُكَ ذُات مَعنى، والطريق الصّحِيح هو الذي سَيُعلّمكَ أهميّةِ الوقت، وَقَد قال الله تعالى: (وَالْعَصْرِ(1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ(3))سورةِ العصر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد