ما نحن إلا نسخة من البيئة التي ولدنا وتربينا وترعرعنا فيها

إن حسبنا أننا الإسم الذي نَحمله فنحن واهمون. فما أسماؤنا، رغم اعتزازنا بها، فما هيَّ إلاَّ إشارات تفيد في تميُّزنا اعتباريًا فيما بيننا. وإن حسبنا أنَّنا الجسم الذي خلقنا الله  سبحانه وتعالى وصوَّرنا عليه، فما أجسامنا إلاَّ وعاءٌ يحتوينا روحًا وفكرًا، وهو منفصل كليًا عن حقيقتنا. وإن ظننَّا أنَّنا متميِّزون عن الآخرين بسجايانا، أفكارنا وتفكيرنا، فلسفتنا في الحياة وتفلسفنا، خِلقتنا وأخلاقنا، فجميع هذا ما هو إلاَّ ربع الحقيقة، أمَّا أغلب الحقيقة، هي ما يراه الآخرون فينا، وما يستقبلونه منَّا، بطرق مباشرة أو غير مباشرة، وليس ما نراه نحن في أنفسنا.

هل نستطيع فعلًا التَّحلِّي بالشَّجاعة الكافيَّة، والمصداقيَّة الكاملة، نُكران الذات، ونُعَرِّف مباشرة، دون تردُّد، وبكل وضوح وشفافيَّة أنفسنا؟ مَنْ نحن؟ مَنْ نكون؟ مذا سنكون؟ كيف كانت الولادة الأولى للشَّخصيَّة الفكريَّة؟ كيف كانت التنشئة؟ وكيف ستكون النهاية؟ بناءً على المعطيات المُتوَفِّرة. 

نعرف موقنين أننا أهون من أن نجيب على أسئلة واقعية كهذه، بكل تلقائية، فهي بالنسبة لنا غير منطقية ولا عملية، لا قيمة لها، ولا ترقى لأن تطرح في حضرتنا، ولا نتملك الحنكة ولا المعرفة التي تخوِّل لنا الحوار والتداكر حول فلسفتها ومضامينها في مجالسنا. إذن؛ كيف لنا أن نُعرّف بأنفسنا! إن كنَّا أصلًا نحن لا نعرفها؟ ولم يسبق لنا التَّعرف عليها! أمَّا إن كنَّا نتحدث اللغة نفسها، وبالطريقة نفسها، التي يتحدث بها الآخرون، ونحب المواضيع نفسها، ونتبنَّى الآراء نفسها؟ فمن نكون؟ ما نحن إلا نسخةً من البيئة التي وُلدنا وتربَّينا وترعرعنا فيها. 

الحقيقة الدقيقة هيَّ أن الإنسان مطالب دائمًا بالتكيُّف مع ظروفه، وتقبُّل أقداره واستنهاض هِممه، لتحويل أسباب ضعفه وفقره، إلى نوافذ وأبواب يَعْبُر منها وفيها للتَّميُّز والتَّفوُّق والغِنى. ولتحقيق كُلِّ هذا يجب أن تكون الإنطلاقة الأولى من الدَّاخل، كما ينبغي لنا فهم المعرفة وتقيِّيم الإدراك، وتحديد الأركان، وهما رُكنيْن أساسيَّين: التجربة والفكر، لا مجرد القراءة والمطالعة والدراسة. لكنَّنا نقصد بالفكر الفكر البنَّاء، فكرنا نحن وليس فكر غيرنا، فكر الآخر، حتى ننتقل من الفقر إلى الغنى، لأنَّ الفقر المذموم هو الفقر في كل شيء، وليس فقط في المال، والغنى المحمود هو كذلك الغنى المتكامل، الغنى في كل شيء، وليس المال وحده. 

الفقراء يلقون باللوم على الآخرين لسوء حظِّهم، فدائما هناك سبب جاهز لتحمُّل الخطأ؛ بسب الاقتصاد، بسبب السُّوق، بسبب الحكومات، بسبب المديرين، بسبب نوعيَّة العمل، والمدينة، والجار، والأصدقاء، بسبب المواصلات. دائمًا هو خطأ الآخرين، وليس خطأنا نحن على الإطلاق، أما الأغنيَّاء فيتحمَّلون نتائج فشلهم، ويقرون بمسؤوليَّتهم؛ فإذا كانت حياتنا بائسة فنحن الوحيدين المسؤولون عنها، ونحن مَن نتحمَّل كامل المسؤوليَّة؛ إنه خطؤنا نحن؛ نحن المسؤولون عن أفعالنا، لأنَّنا عندما نقرّ ونعترف بأخطائنا نكتسب قوَّة ومهارة لا مثيل لها، قوَّة التَّغيير. عندها نكتسب الخبرة التي تجعلنا قادرين على فعل شيء مختلف، وعدم إهدار الوقت والجهد والصِّحة فيما لا طائل مِن ورائه. 

الفقراء يركزُّون على الإدِّخار، أما الأغنياء فيعملون على الإستثمار، الفقراء يعتقدون أنهم يعرفون كل شيء، ودائمًا متشبِّتين بآرائهم وأفكارهم، يريدون إخبار العالم عن آرائهم؛ عن السيَّاسة، عن الاقتصاد، عن الرياضة، عن المجتمع، عن كل الأشياء من حولهم، على نقيض التواضع والرَّغبة في التَّعلم، بينما الأغنياء يتعلَّمون باستمرار، ينصتون جيدًا، يحبون التعلم وكسب المزيد من المعرفة، يطرحون الأسئلة، يبحثون عن تجارب الآخرين، للإستفادة منها. يقرؤون الكتب، ويمتلكون الرغبة، والإصرار على مواصلة التعلم مدى الحياة وباستمرار، بدلاً من التَّقول بامتلاك كل المعرفة، وكل شيء. أتعلمون لمذا الإنسان الفارغ مِن الدَّاخل دائمًا متحيِّز لآرائه؛ لأنها الطريقة الوحيدة لجلب الانتباه. إذا لم تنجز أي شيء في حياتك، فرأيك غير مهم على الإطلاق، لا قيمة له، لأنه مجَّرد مِن التَّجربة، بعيد عن الواقع. 

الفقراء لهم عقليَّة اليانصيب، والأغنياء عقليَّة العمل، نعم؛ لقد أصبحنا نرى أن أغلبيَّة الناس يريدون أن يصبحوا أغنياء بسرعة فائقة تفوق أو تساوي سرعة الضوء، حتى لو اقتضى الحال شراء ورقة اليانصيب، على الرغم من أنهم يعرفون أن فرص الفوز ضئيلة وتكاد تكون مستحيلة أو منعدمة، لكن يشترون ذلك الوهم، ليحلمون بالفوز، مِن أجل شراء منزل فخم، أو ترك الوظيفة، أو السفر. أما الأغنياء فلهم عقلية اتِّخاد القرارات، يدركون أنهم هم وحدهم من يستطيعون جلب النجاح إلى حياتهم، والأمر راجع إليهم، هم من سيجعل من أنفسهم ناجحين، ولا يحتاجون لطرف ثالث، يعتقدون قطعًا بأن الاعتماد على بضع ورقات من اليانصيب، لا ولن يفيدهم في أي شيء على الإطلاق، ما عدا ضياع الوقت، وقتل الحماسة، والرغبة في التغير، والفوز الحقيقي، والنجاح. إذن هل سألنا أنفسنا يَومًا في صمت وصدق من نكون؟

جميل ورائع ومنطقي أن نغذي عقولنا باستمرار بأفكار غيرنا، لكن من الضَّروري جدًّا التَّفكير العميق في تجاربهم، وتفتيتها من أجل الوقوف على أسرار النجاح الحقيقيَّة، لأنه حتمًا هذا التميُّز وهذه الريادة ولدت من رحم التجارب لكن الفكر هو من ربَّاها وكبَّرها حتى اشْتدَّ عودها، وأصبحت قوية قادرة على الظهور والانتشار والتكاثر من نفس النوع. لكنَّ الاهتمام المبالغ فيه بأفكار الآخرين، والإدمان على قراءة كتبهم ومواضيعهم قد يشكل علينا خطرًا حقيقيًّا، يتعاظم في الغيَّاب التَّام لتفكيرنا نحن في هذه الأفكار.

إذن؛ يجب أن تكون لنا وجهة نظر في الموضوع، ويجب علينا احترامها وتقديرها، مع الحفاظ على مسافة كافية من النَّقد البنَّاء في تفكيرنا، بين أفكارنا وأفكار غيرنا، عندها فقط يتسنَّى لنا تقويم المعتلّ، وإصلاح الخطأ، وبناء الفكر الخاص بنا، فنقطع الطريق على جميع من يريدون التلاعب بعقولنا، لأنه عندما نقرأ لغيرنا بدون وعي ، وفي غياب المنطق السوي، يكون غيرنا يفكر لنا، ولا نكون حينئذٍ إلاَّ صورة طبق الأصل لأفكار غيرنا، فنفقد قدرتنا على التفكير تدريجيًّا. عندما يحصل التقبُّل الداخلي لهذه الفلسفية الفقيرة في اللاوعي، الَّتي تخرج في كل وقتٍ وحين على شكل أحاسيس فقيرة جدًّا، تعمل على كبح التفكير والنُّبوغ بشكل نهائي، والاكتفاء فقط بفكر الغير، وهو اعتراف ضمني وصريح بالدونية، واحتقار ساري المفعول، لا مبرر له للذات، مع التمجيد والتعظيم المرضي المبالغ فيه للغير، وهو سلوك مرضي غير منطقي. رغم الفوارق الاجتماعية والفكرية والثقافية داخل المجتمع لكن الإنسان وعقله هو من صُنع الله الواحد الأحد، تختلف قدرته، وطاقاته، ودرجة تركيزه، واستيعابه، وتحليله، لكن لا يمكن إلغاؤه بأي حال من الأحوال.

فالخبرة التي نكتسبها من الحياة يمكن اعتبارها عناوين فرعية وأساسيَّة، وشرح هذه العناوين والتَّعليق عليها هو التَّفكير والمعرفة. فاذا كانت ثقافة الإنسان وتأمُّلاته واسعة، لكنَّ خبرته في الحياة ضعيفة، قليلة أو منعدمة، فإن صفحات حياته فارغة من الشَّرح والتَّفسير والتَّحليل، تحتوي فقط على سطرين من العناوين إما فرعية أو أساسية، وبعض الأسطر من التَّعليق والتَّوضيح، وقد لا تحتوي على أي محتوى من التعليق والتوضيح. لذلك فإن أول بند يجب تطبيقه والعمل على تحقيقه بشتَّى الطُّرق والوسائل هو: الاستفادة من خبرة الحياة وتجاربها أولًا قبل كل شيء، وثانيًا القراءة والمطالعة، وحضور المنتديات الفكرية والعلمية، وتدوين الملاحظات، وتحضير الأسئلة وطرحها، والاهتمام بصلب الأفكار ولبِّها، لا التكالب على معرفة ما كُتب حولها من تعليقات. مع الاحترام والتقدير للجميع، لكن نعتقد جازمين بأن الفائدة تتحصل والمعرفة تتشكَّل من قراءة ما كتب المؤلفون. مع الحرص على إعمال العقل والمنطق، قبل قراءة ما كتب النُّقاد والمعلِّقون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد