يُقال إن مقياس نجاح الحكومة في بلدٍ ما يعتمد على رضا الناس عن أدائها، فإذا كان الشعب راضيًا عن أداء الحكومة المعنية في شتى الجوانب، خصوصًا في ما يتعلق بالخدمات المقدمة للمواطنين، مثل الصحة والتعليم والمعاملات اليومية، ذلك يعني أن الحكومة نجحت في مهامها، وفي كسب ثقة الناس.

قبل أيام تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي في السودان تسجيلًا صوتيًّا منسوبًا للرئيس عمر البشير، في شكل تعقيب أمام مجلس شورى الحزب الحاكم، الذي عادة ما تكون جلساته مغلقة لا يسمح لأجهزة الإعلام بحضورها، عدا جلسة البيان الختامي، أو التوصيات التي يخرج بها اجتماع شورى التنظيم.

البشير الذي يجلس على كرسي الرئاسة منذ ما يقارب ثلاثة عقود من الزمان، إثر انقلاب عسكري على حكومة الأحزاب، ابتدر حديثه بمحاولةٍ لتبرير الأزمات الخانقة التي يكابدها الوطن، حيث اعتبر أنهم «الحكومة» يديرون البلد في ظروف صعبة للغاية، رأى أن الحصار الذي يعاني منه السودان ليس موجودًا في أي بلد أخرى، وألقى باللوم على الإدارة الأمريكية، قائلًا إنها تجدد العقوبات على السودان سنويًّا، رغم التقارير التي ترفعها السي آي إيه، والتي تؤكد أن الخرطوم لا ترعى الإرهاب ولا تدعمه.

تحدث الرئيس عمر البشير عن انفصال الجنوب مجددًا اتهاماته لأمريكا أنها وراء الانفصال، بهدف حرمان السودان من إيرادات نفط الجنوب، وهي تمثل 80% من إنتاج البترول في السودان، وبالتالي أكثر من 90% من إيرادات النقد الأجنبي، وحوالي 50% من إيرادات الموازنة العامة. في النقطة هذه نسي البشير أن وفد الحكومة المفاوض في محادثات السلام بقيادة نائبه السابق علي عثمان محمد طه، كان على اتصال مباشر معه ومع الحزب الحاكم طيلة جولات التفاوض التي امتدت لسنوات عدة.

بمعنى أن قرار منح الجنوب حق تقرير المصير تمت الموافقة عليه منه شخصيًّا ومن الحزب الحاكم، ربما كانت هناك ضغوط مُورست على الطرفين (الحكومة والحركة الشعبية المعارِضة)، لكن الكثيرين رأوا في ذلك الوقت، أن الوفد الحكومي قدم تنازلات كبيرة، من بينها الموافقة السهلة على تقرير المصير لأبناء الجنوب دون شروط عادلة مثل إلزام حكومة الجنوب باستمرار الاتفاق النفطي لفترة محددة بعد الانفصال إذا تمّ (5 أو 10 سنوات مثلًا) حتى تتمكن الدولة الأم من توفيق أوضاعها بعد الفقدان المفاجئ لهذه الإيرادات المالية الضخمة.

الأدهى والأمر في التسجيل الصوتي أن الرئيس البشير برأ حكومته من أي مسؤولية عن الوضع الاقتصادي الحالي، معتبرًا أن المواطن السوداني يريد علاجًا مجانيًّا وتعليمًا مجانيًّا، وأن كل مواطن يريد رصف الطريق إلى منزله وتوصيل الكهرباء مجانًا أيضًا! وضرب الرئيس مثلًا بالجارة إثيوبيا قائلًا إن عدد مواطنيها ثلاثة أضعاف عدد سكان السودان، ومع ذلك يستهلكون ثلث استهلاك السودانيين من القمح، لأن «الحكومة» تلزم مواطنيها بتقليل استهلاك القمح، وتشجعهم على المنتجات والوجبات الشعبية التي توجد حتى في طائرات الخطوط الإثيوبية (حسب تعبيره).

البشير ظلّ حاكمًا ورئيسًا للسودان لما يزيد على 27 عامًا، فهل لا يعلم أن الصحة والتعليم هي أبسط مقومات الحياة الكريمة التي يجب على الدولة أن توفرها مجانًا أو مُدعّمة على أقل تقدير؟ بالنسبة لإثيوبيا فإن المقارنة بعيدة جدًّا؛ بل معدومة بين ما وصلت إليه تلك الدولة من تطور وتقدم في الآونة الأخيرة، لكن لعل البشير لا يعلم أن الحكومة الإثيوبية تدعم وتشجع المزارعين، خصوصًا الذين يهتمون بالمنتجات الغذائية مثل الذرة وغيرها من الحبوب، بينما تثقل الحكومة السودانية كاهل المزارعين بالرسوم والضرائب الباهظة التي تجعله يخسر بنهاية الموسم عِوضًا عن تحقيقه لأرباح.

إثيوبيا يا سيادة الرئيس نهضت في شتى المجالات، من ضمنها قطاع الطيران الذي ذكرته في مداخلتك، حيث صارت خطوطها الوطنية من أرقى وأنجح شركات الطيران عالميًّا؛ لتدُر على الدولة دخلًا كبيرًا من العملات الأجنبية، فهل يمكن مقارنتها بنظيرتها السودانية (سودانير) التي أصبحت في عهدكم لا تمتلك إلا طائرة واحدة؟ كما استقطبت أديس أبابا رؤوس الأموال السودانية التي هربت من البيروقراطية والفساد والضرائب والإتاوات التي تفرضها أجهزتكم الحكومية ومنسوبيها، حتى إن السفير الإثيوبي بالخرطوم أبّادي زمو صرح أن السودان يحتل المرتبة الرابعة في الاستثمارات داخل بلاده، مفاخرًا بأن استثمارات السودانيين ساهمت في نهضة إثيوبيا، لا تقل لي هناك عدد من المواطنين الإثيوبيين يعملون في السودان؛ لأن العديد من المواطنين الأوروبيين يعملون في دول الخليج فهل هذا يعني أن هذه الدول أكثر تقدمًا من أوروبا وأمريكا؟

في التسجيل الصوتي أيضًا، اعتبر الرئيس البشير، التطور الطبيعي الذي يشهده العالم أجمع، جزءًا من إنجازات حكومته، إذ إنه تحدث عن ارتفاع مستوى المعيشة لدى طبقة معينة من الشعب وامتلاكها للسيارات الفارهة، إلى جانب كثرة المدارس والجامعات الخاصة، وقضاء البعض لإجازاتهم خارج الوطن. الكل يعلم أن الحكومة ليس لها دور في هكذا أشياء؛ لأنها نتاج طبيعي لمجهودات الأفراد وسعيهم الدؤوب لتحسين أوضاعهم.

يبدو أن النُخبة الحاكمة في السودان، ما تزال تعتقد أنها صاحبة فضل كبير على الشعب رغم الفشل الذي ظلّ يُلازم أداء النظام لما يقارب الثلاثة عقود من الزمان، لذلك لن نتفاءل بحدوث تغيير ايجابي، حيث إنّ أول خطوات الإصلاح هي الاعتراف بالخطأ، ومن ثم الشروع في معالجته.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

البشير
عرض التعليقات
تحميل المزيد