نعم، نعلم أننا في مجتمع عشائري تقوده العادات والتقاليد التي أكل عليها الدهر وشرب وتسوده المحسوبية وكثير من الظلم وعدم الإنصاف في الرأي، ولا يقبل على نفسه إلا أن يكون على حق حتى وإن كان على باطل، لا يسمح للنقاش وإبداء الرأي ولا يصغي للآخر فقد يقول كلمته وينصرف، حتى وإن سمع فإنه لا يصدق، يهتم بالظاهر ولا يهتم بالباطن، يحب المجاملات ويبتسم كذبًا هكذا هي المجتمعات العشائرية التي لم تكتفِ في التدخل وفرض آرائها على الآخر إلا أنها أصبحت ذات قدرة في إدارة الجامعات وتغذية عقول الطلاب في الأفكار العشائرية التي تتأخر ما تتقدم.

جامعة تكريت، تقع هذه الجامعة في محافظة صلاح الدين في العراق، عدد طلابها 20 ألف طالب وطالبة، فالأستاذ فيها من عشيرته وليس من علميته والطالب فيها من عشيرته وليس من كليته وأصدقاؤه والموظف فيها من عشيرته ولا يتبع قانونًا إلا قانون العشيرة فما تقوله العشيرة يقوله طلابنا في الجامعات، وهذه واحدة من جامعات كثيرة غلب عليها الطابع العشائري فتأخرت علميًا وأصبحت من الجامعات المغبرة التي لا تدخل عددًا أو تسلسلًا علميًا أو تقييمًا دوليًا بل وحتى إقليميًا. فهذه هي جامعتي التي درست فيها أربع سنوات فحينها لم أكن طالبًا وإنما ممثلًا لعشيرتي بين ممثلي العشائر الأخرى، تركتها في عام 2013 ورجعت بعد غياب خمس سنوات، فحسبت أنها تقدمت فكريًا وكنت متلهفًا لدخولها حتى ظننت أنني سوف لا أتعرف على طلابها لأنهم بالطبع غير الذين تركتهم، انقسامات داخلية، مجاميع، تحزب ودواوين عشائرية وجدت داخل هذا الصرح، نزاعات عشائرية لا تُحل إلا في الجامعة. فالطالبات يبحثن عن الهروب من تلك الأفكار التي ظُلمن بها والطلاب بعضهم متمسك بالعرف ومتطرف عشائريًا والبعض الآخر مغلوب على أمره حاول التغيير إلا أنه رُفض وتسمى بمصطلحات مثقف! نعم مثقف فالمثقف في قاموسنا شتيمة، ملحد! ما العلاقة؟ أنت أفكارك داعشية! داعش لا تدعو إلى التحرر. وهكذا تأقلم الطلاب على عدم التغيير وعدم طرح الأفكار الجديدة خوفًا من الأفكار العشائرية التي قد تضطرهم إلى النبذ أو حتى الحبس في بعض الأحيان.

سافرت إلى الخارج لإكمال الدراسات العليا حتى وجدت نفسي غريبًا ولم أعرف أي شيء عن التعامل مع المجتمعات الأخرى بل جاهل تمامًا، بغض النظر عن التعامل مع الجنس الآخر فهذا بحد ذاته جريمة ولم أتأقلم أو أكوّن صداقة إلا بعد مرور أكثر من سنة لأنني تعلمت في جامعة تكريت أن الاختلاط جريمة وعيب وربما يؤدي إلى فضيحة عشائرية! لأننا باختصار مجتمع ينظر إلى البنت من زاوية جنسية فقط. متجاهلين فكرها وإبداعها، متجاهلين مساهمتها في بناء مجتمع مدني بعيد عن التطرف العشائري والاحتكام بالعادات والتقاليد. فهنا المجتمع يرفض الأفكار الصحيحة حتى وإن كانت مبوّبة شرعيًا فالصح ما تقوله هي والغلط ما يقوله الآخرون.

فالعمل على تقنين أو شرعنة الأعراف العشائرية هي جريمة وعملية إنهاء لكل الأفكار المدنية التي ترسم لنا حرية التصرف والمرونة في التعامل مع الآخر بل تريد الرجوع بنا إلى عصر الاتكاء على غيرنا في التفكير وإبقائنا أصنامًا لا يحق لنا الكلام ولا المناقشة.

وفي نهاية هذا المقال أقول رأيي وبكل تجرد إن هيمنة العشيرة على الجامعات هو تخلف عقلي عام مهما كانت المنافع الفردية والجزئية لهذه الهيمنة ولن تظهر أي طبقة من هذا الجيل تميل إلى الثقافة والتوسع المعرفي وإدراك للشيء مع استمرار هذه الهيمنة، فطلاب جامعة تكريت بحاجة إلى عملية إنقاذ فكري وإبعادهم عن المضايف وإلا قد ننسى هذه الجامعة مع طلابها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

مقالات ذات صلة

فخ الألقاب الرخيصة
شارك 1
عام
منذ سنة واحدة
«وسيم يوسف».. سرقةٌ لا تناص!
شارك 43
ثقافة
522 منذ سنة واحدة
لا تكن غيرك 
شارك 43
مجتمع
منذ سنة واحدة