عندما تراودك هذه الفكرة، خاصةً إذا كان التعدي بالضرب على أحد غير وارد في نظام حياتك، فأنت تمر بخليط من المشاعر، يفترسك الغضب والقلق والكبت واليأس، فعندما تصل إلى هذه المرحلة فأنت قد رضيت بأن تخسر عملك ومصدر رزقك لتتخلص من ضغط هائل تمر به، وتضع نهايةً لحرب دائرة في قلبك وعقلك.

أخشى عليك أن تكون مثله، نعم فهو رجل قرر كل صباح، وبمجرد أن يصل عمله، أن يسجل سببًا من أسباب كراهيته لعمله، وظل كذلك لمدة خمسة عشر عامًا حتى أنهى حياته بالانتحار، أو مثله هي من كانت تجلس تتمنى الموت كل مساء قبل أن يأتي الصباح وتضطر للذهاب إلى العمل، أو مثلهم جميعًا أنهم جيش من الموظفين المحبطين يقتلهم الملل والسكر والضغط والدوالي والقولون، وقد عايشت مَن نُقل إلى العناية المركزة على خلفية مشاجرة مع مديره، ومن فقد حياته وهو في الأربعينات دون سابق إصابة بأي مرض على أثر مشادة مع مديره توعده فيها بالفصل.

هناك أمور مهمة لا بد أن نتحدث فيها طالما أنك ستخرج إلى سوق العمل، أولًا أرجوك تخل عن الطفل الذي بداخلك، ولا تتعامل مع حقوقك المادية بوصفها العيدية التي تخجل من عمك وتفرح به في نفس الوقت عندما يعطيك إياها، إنها حقك وعرقك، لا تتعاملي مع وجبة العمل بوصفها الكيك الساخن بالشيكولاتة والفانيليا التي كانت تصنعها جارتكم وكنتِ لا تأخذينها لأن والدتك نبهت عليكم ألا تأخذوا طعامًا من أحد، أرجو الانتباه لم تعدوا أطفالًا، أما عن العمل من صباح الأحد لمساء الخميس هذا ليس دوامًا مدرسيًّا، إنه العمل بما يمثله من صراعات حادة تسمى صراعات أكل العيش، ولا يوجد صراع في الحياة أمر منه.

ولكن دعني أذكرك أيضًا أنك يجب أن تتقي الله حتى وإن لم يفعل مديرك، أتعلم أن مكالمة التليفون الشخصية من هاتف العمل ليست من حقك، تصوير ورقة دون استئذانهم ذنب، مطالعة فيس بوك أغلب وقت الدوام تجعل من مالك حرامًا، أنا لست قاسية عليك ولكن هذه هي العلاقات بمجتمعنا علاقة القاتل أو المقتول، فكما نشكو من وضع الموظفين علينا أيضًا أن نتذكر أننا اعتدنا في بلادنا أن من تتاح له فرصة ولو بسيطة يحول ما تحت يديه إلى (عزبة)، حتى ولو كان عامل البوفيه الذي يسترضيه الجميع حتى لا يحرمون من مشروباتهم المنبهة، وكأنه (ديلر) مخدرات شرير، لا يستحق إلا الركل بالحذاء، كل أصحاب العزب يستحقون الركل به، فكرت في ركل مديرك بالحذاء؟

كانت البداية عند منتظر الزيدي الصحافي العراقي الذي قذف جورج بوش بحذائه، رأى قوات الأنجلو أمريكان تجتاح بلاده وتدمرها، وعانى من العجز الذي عانت منه أمة كاملة، وأصبحت صورة الرجل العراقي العاري المبلل المصعوق بالكهرباء معصوب العينين الذي يتبول عليه الجنود الأمريكان لا تذهب من بال أحد، عبث كبير يمثله ويرمز له جورج بوش، فجعله منتظر ينهي حياته السياسية مضروبًا بالحذاء، وكأنه يقول له أنت لا تستحق الرصاصة، غالية هي عليه، وبالنهاية بالطبع لم يواجه منتظر عقوبة الإعدام؛ بل هو الاعتقال لمدة عام، وحقًّا كان يعذب في محاولة منهم للنيل من كبريائه، ولكن كما قال هو بالنهاية لا يقارن بعذاب الآخرين لأنهم كانوا يعرفون أنه سيخرج ويحكي كل شيء.

قد تكون ترى أن ضرب مديرك بالحذاء سيفعل ما لا يفعله ضرب الرصاص، صديقي لا تترك نفسك لهذا الصراع، كل يوم تفكر في الاستقالة، فتجول برأسك مائة فكرة هل سأجد عملًا آخر؟ هل سأتركهم بعد كل هذا التعب؟ إذًا انتقم واضرب وانهَل عليهم بالسباب، ولكن أليس من الأفضل أن أتفاوض على مكافأة نهاية خدمة، وإن لم يعطوني أضربهم، ولكن عندما أقدم لأي عمل جديد سيسألون عني وستصبح وصمة عار تعوق حياتي المهنية.

دعك من تلك الدوامة التي ستدمر نفسيتك، وفكر بشكل عملي ومهني واحترافي، يجب أن تبدأ فورًا بالبحث عن عمل جديد، وتذكر أن الله أمرنا بالهجرة في الأرض هربًا من الاستضعاف، وهنا أريد أن أخبرك باكتشافي المهني الرهيب: أن النجاح لا يعني القدرة على الاستمرار في العمل رغم المؤامرات، النجاح يتطلب الرحيل عندما ينطفئ نجمك ليضيء في مكان آخر، النجاح يعني أن تبقى عندما يكون البقاء إضافة، وترحل لتضيف إلى نفسك، وبالتالي عليك كتابة سيرة ذاتية جيدة، ولن أقسم عليك ألا تكتب عبارة أعمل تحت ضغط التي دمرت الجيل بأكمله، وأصابتنا جميعًا بالضغط، أبلغ معارفك أنك تبحث عن عمل جديد، كن مرنًا ذكيًا مقدرًا لنفسك.

ومن هنا حتى يكتب لك الرحيل عليك اتباع استراتيجية معينة مع مديرك، عاقبه بالتجريس، نعم فالتجريس عقوبة قديمة ابتكرت بديلًا عن العقوبات الكبيرة، وقيل إن اليهود هم من ابتكروها كحيلة لإعفاء الأغنياء من عقوبة الرجم، وفيها يركب الشخص حمارًا بالمقلوب ويطاف به بعد أن تعلق على صدره لافتة بها جرمه، لا تكن نمامًا مغتابًا، ولكن عندما يخطئ مديرك ويحاول جعلك أنت تتحمل الخطأ حاول دائمًا أن يكون هناك طرف ثالث يتعلق به الموضوع، اجعله طرفًا متضررًا من مديرك، عندما يعطيك تعليمات متضاربة أخبر من ترتبط بهم تلك التعليمات واجعلهم يتشاجرون معه، اجعل الجميع يراه على حقيقته، ولكن بوقائع وإثباتات.

صديقي توقف عن الشعور أنك أمير الانتقام، ويومًا ما سيتغير كل شيء، لأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد