هل أتتك غضبة اللغة عادية؟

دأب الشعوب البدائية المهزومة القابعة في القاع؛ إذا دخلَتْ في صراع أو حصل بينها وبين غيرها مدافعة؛ أن تلجأ إلى الخصام بكل أنواعه: خصام معاني، خصام تلامس؛ لهذا أنا كابن مجتمعات بدائية لم تأتني غضبة اللغة أمرًا عاديًّا، بل أكدت عندي كيفيتي، وطريقتي المفضلة التي أعبرُ بها عما بداخلي، وأشفي بها غليلي عند خسارتي.

نحن شعوب بدائية وقابعة في القاع بلا مفارغة حسب الماثل للعيان، والوقائع المشاهدة. قد تنزعج وتتحفظ على هذا الوصف – البدائية والقاع- وتراهما شتمًا وحطًّا من قيمتك وقدرك، ولكن لو أبصرت جيدًا؛ لأدركتَ أنها الحقيقة المتجلية التي لا يأتي الباطل لا من بين يديها ولا من خلفها.

فالبدائية والقاع ليستا شتمًا لك بقدر ما هما توصيف لما أنت فيه، ولما تقدمه للإنسانية من خدمات قد لا يكون لها نعت إلا خدمات بدائية، ولما لك من معاني صلدة تتواصل بها مع غيرك.

دائمًا الاهتداء إلى الحل المقنع الكافي يكمن في صياغة أسئلة محورية؛ لذا سنسوق بعض الأسئلة؛ حتى نثبت بدائية مجتمعاتنا من عدمها.

الأسئلة المجاب عنها: هل لك دخل في تكنولوجيا العصر؟ الإجابة المؤكدة لا؛ إذن أنت بدائيّ، فالإنسان البدائي ليس له دخل في ذلك؟ هل لك دخل في أحدث العلوم الطبية؟ الإجابة لا إذن أنت بدائي. هل لك دخل في علوم الكون الحديثة العجيبة؟ الإجابة لا إذن أنت بدائي. ما هو تصنيف أمتك بين الأمم الحالية؟ الإجابة القاع إذن أنت بدائي. ما تصنيف أمتك ومجتمعك من حيث نفع البيئة والحيوان والإنسان؟ الإجابة لا نفع اللهم إلا الضرر، إذن أنت بدائي. هل تصنع السيارات، الطائرات، السفن، الصواريخ العابرة للقارات؟ الإجابة لا إذن أنت بدائي. هل يمكنك إحداث فعل معين جليل تبقى ذكراه خالدة في المخيِّلة الإنسانية؟ الإجابة لا إذن أنت بدائي. فالأقوام الحضارية المعاصرة يمكنها فعل فعلٍ تعجز الإنسانية وتاريخها عن طيِّه في ذاكرة النسيان.
هل لك دخل في سن قوانين حقوق الإنسان السامية الحديثة؟ الإجابة لا؛ إذن أنت بدائي. إذا دخلت في حركة تدافع هل ستَفجُر؟ إذا كانت أفعالك تثبت ذلك فأنت بدائي. ومما هو مستخلص من هذه الأسئلة أن الدول المهزومة دول القاع لن تضيع أي فرصة تأتيها من أجل تشويه وشيطنة الدول المتقدمة الحضارية، ولن تترك أي مسألة يمكنها من خلالها أن تظهر لأبنائها أنها الأفضل وغيرها هو الأسوأ.

هذه المفردات ليست دعوة ضد لغتنا العتيقة الجميلة، وليست دعوة للتخلي عنها، أو استبدالها، إنما هي محاولة لقراءة ما خلف هذه النعرة اللغوية العجيبة.

أولًا: قِدم وجمال لغة معينة لا يعني بتاتًا منتهى الحضارة، ولا يعني: إذا كنت صاحب لغة فريدة فأنت حضاري. لغتنا الجميلة العميقة موجودة، ومنذ تاريخ ضارب، هل أحدث جمالها وأصالتها فرقًا معينًا في واقعنا اليوم المزري؟! الحال لا يخفى،
حتى قرآننا الكريم الذي نزل بلغتنا لم يلمح حتى بأن اللغة صانعة للأمجاد، ولم تأت ولو آية واحدة تتحدث على أن فرق اللغة له شأن، أو صانع لحضارة أو مُنجِّي من كذا أو مانع لِكذا أو جالب كذا؛ إنما تحدث عن الأعمال ودورها في عمارة الأرض وثقل وزنها في ميزان السماء، بل ذمَّ المعاني الميتة؛ أي بدون حركة «وأنهم يقولون ما لا يفعلون».

ثانيًا: لإثبات عراقة لغة معينة وأصالتها وجمالها لا يحتاج إلى الحط والإساءة إلى لغات الغير، يمكنك إثبات ذلك من غير أن تسيء للآخر! بعضنا من شدة تحمسه ووقع اليوم العالمي للغة العربية عليه استطرد في السب والتنقيص من لغة الآخر، ووصف لغته بأنها غير علمية وغير كذا وغير…، وهل سأل نفسه؟ هل لغته علمية؟ وما المعيار الذي اعتمده حتى يصنف لغته بالعلمية ولغة غيره بغير ذلك؟

اللغة: مجرد وسيلة مبتكرة للتواصل سواء فيما بيننا أو بيننا وبين الأشياء، ومخترع الأشياء هو الذي بإمكانه إحداث مفردات جديدة من خلالها يتعامل مع الأشياء المبتكرة من جنابه، أما مشتري الأشياء فلا أظن أن له الحق في التكلم عن الأشياء، فضلًا عن لغة الأشياء.

كما أن الحضارة: عقل وفكر وفعل لا مادة ولا معنى ثابت لا يتحرك، ولا أمجاد ماضية، ولا حروف منمقة. كم من حضارة بنيت وقامت من دون الحاجة إلى أبهى المفردات والمعاني؟

يا ترى ما السر خلف التغني والتمجد باللغة، والتذمر اللغوي إن صحت العبارة، والإساءة إلى اللغات المغايرة؟ في نظري لما خلف هذه الأيام الغاضبة لأجل اللغة؛ لا جديد يذكر، مجرد مرضنا العضال المتفردين به عن غيرنا – السكن في ما مضى- أو ما سميته في إحدى كتاباتي بالعقل البكائي.

فمدح لغتنا الزائد في مقابل محاولة إظهار لغات الغير على أنها لا أساس لها، ولا مكانة لها، ولا قيمة لها حتى؛ لا يعني إلا نوعًا من الانسحاب من الحاضر والرجوع إلى الماضي كما هي عادتنا. كما أنه لا يعني إلا نوعًا من ضغط شعور الهزيمة، والذي يتولد عنه ضرورة البحث عن انتصار معين؛ حتى ولو كان وهميًّا، والأكيد أننا لن نجد انتصاراتنا إلا فيما مضى بغير رجعة.

جمال لغة ما لن يقدم ولن يؤخر، ولو كان للغة شأن يذكر لما تخلف أهل اللغة الجامعة للمعاني الخيرية المتحركة – اللغة العربية- ولما تقدم غيرهم، لكن تبقى اللغة مجرد أداة للتواصل لا أكثر ولا أقل، وتبقى متغيرًا قابلًا للتغير باستمرار حسب العصور والأزمان، وتبقى وسيلة نفع الكون واحدة لا غير وهي: الحركة الخيرية التي نحن في أحوج ما يكون إليها، أما المعاني المجردة فهي التي تأسرنا منذ ردح من الزمن ليس بالقصير، ونحتاج إلى الانعتاق منها، ولن يحدث ذلك إلا بجعلها حيَّة تتحرك.
كما أقول للباحثين عن أمجاد لم تولد بعد تحركوا؛ حتى تولد الأمجاد أما البحث في الماضي، والإساءة للغير فلن يجدي نفعًا، ولن يحدث فرقًا، كما يمكنكم فعلًا إثبات عظمة اللغة العربية من دون تشويه لغات الغير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد