اسمه أبو سعيد قراقوش بن عبد الله الأسدي، وهو خصي أبيض، من أصولٍ تركية. لُقِّب ببهاء الدين بعد إسلامه وعتقه على يد أسد الدين شيركوه، عم صلاح الدين الأيوبي. وقبل أن ينتقل للعمل في خدمة صلاح الدين.

ضُرِبَ فيه المثل في الظلم والأحكام العجيبة والقمع، لكن الحقيقة أنه كان مهندس حربي من الدرجة الأولى، وأحد ثلاثة قامت عليهم أركان الدولة الأيوبية. وهم الفقيه عيسى الهكاري، والقاضي الفاضل وقراقوش.

وكان لقراقوش دور هام في تثبيت استتباب الحكم لصلاح الدين. حيث إنه تسلَّم زمام أمور القصر في بداية حكمه، للسيطرة على الفوضى التي عمته بعد وفاة العاضد. كما ساهم في القضاء على بقايا الفاطميين، وأحبط محاولتهم لسرقة الكنوز التي امتلىء بها القصر عن آخره، وكان أعظمها العرش الفاطمي المصنوع من الذهب الخالص، إلا أن قراقوش أثبت أمانة قل نظيرها في الحفاظ على ممتلكات القصر.

ومن ثم تفرغ مع صلاح الدين لتعزيز قوة المسلمين في مواجهة الصليبيين، حيث أقام أعظم المنشآت الحربية المعروفة إلى الآن في القاهرة ومن أهمها سور القاهرة، والذي مات قبل أن يتمه، وقلعة الجبل المسمية بقلعة صلاح الدين. والذي بنى فيها بئر يوسف العجيب، والمكون من ثلاث طبقات يلتف حولها سلم حلزوني محفور بالصخر، فيه ساقيتان لرفع الماء تديرها الدواب، وقد تم بناؤه لإمداد القلعة بالماء إذا تعرضت للحصار. ويرجع له الفضل أيضًا في بناء القناطر الخيرية في الجيزة. وبعد دحر الصليبيين من بيت المقدس كلفه صلاح الدين بولاية عكا، فحكمها وبنى سور عكا الشهير الذي دحر نابليون في ما بعد.

استمر في خدمة صلاح الدين وخدمة أبنائه من بعده 30 عامًا. فبعد وفاة صلاح الدين الأيوبي دبَّ الخلاف بين أبنائه على الحكم، حتى كادت تنشب بينهم الحرب، فكان قراقوش من وقاهم شرها بعد أن أصلح بينهم. وبعد وفاة العزيز الأيوبي عُيِّن وصياً على ابنه المنصور ذي التسع سنوات. فكان نعم الحاكم إلى أن عُزِل وسَلَّم الوصاية.

كان لكتاب الأسعد بن مماتي، وهو موظف في ديوان صلاح الدين الأيوبي، الفاشوش في حكم قراقوش، دورًاً كبيرًاً في تشويه صورة قراقوش، ووصمه بصفة الحاكم الظالم. حيث إنَّ ابن مماتي بحكم منصبه تعود على تلقي التملق من الآخرين إلا أن قراقوش الرجل العسكري القوي لم يكن من المتملقين، فأثار حقد وغيرة ابن مماتي الذي انتقم منه بتأليف هذا الكتاب الفكاهي. والذي ضمنه قصصًا لا معقولة ولا تنسجم مع شخصية قراقوش. ومن هذه القصص:

ومن الأحكام العجيبة التي ينقلها ابن مماتي عن قراقوش أنه سابق رجلًا بفرس له، فسبقه الرجل بفرسه، فحلف أنه لا يعلفه ثلاثة أيام. فقال له السابق: يا مولاي يموت، رد قراقوش: اعلفه ولا تعلمه أنني دريت بذلك.

ومر متسول يطلب طعاماً فأجابه قراقوش: لقد مزقت نياط قلبي بشكواك ولا أجد سوى السجن مقامًا لك تأكل، حتى إذا أشبعت أفرج عنك. وسأل قراقوش بائع حليب غشاش: كيف تخلط الحليب في الماء؟ فأجاب البائع: أنا أغسله فقط. فقال قراقوش: أنت رجل تحب النظافة، ولا لوم عليك، ويوضع من أبلغ عنك في السجن.

رغم أن ابن مماتي لم يحقق هدفه من هذا الكتاب كما ذكر في مقدمته حيث قال: إنه يبغي أن يخلص البلاد وصلاح الدين من قراقوش إلا أنه لم ينجح مع صلاح الدين ولم يتخل عنه، ولكن لأن القلم أحدُّ من السيف، فقد شاع بين العامة عبر العصور هذه الحكايات المكذوبة عن حاكم فذ لم ينصفه التاريخ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد