في كل فترة يخرج أحدهم على شاشة من الشاشات وقد عبس وجهه تمامًا من شدة القرف مستدعيًا لوجه وتعبيراته كل ما يحفظ أو يعلم من تعبيرات الدهشة والإشمئزاز ليخبرنا جميعًا عن ضعف حديث البخاري: إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً وَفِي الْآخَرِ دَاءً. ثم يروح بعدها يطعن في البخاري وأبي البخاري إن استطاع. وأن حديثًا مثل هذا كاف للتشكيك في صحة ما يرويه البخاري كله.

وإن كان الأمر كذلك فالحديث قد رواه أحمد بن حنبل في المسند، والبيهقي في السنن الكبرى، والطبراني في المعجم الأوسط، وابن ماجة والدارمي في السنن. وعليه فما يصير على البخاري يصير على الإمام أحمد وغيره ممن رووا الحديث، وعليه فلنلق السنة كلها في الطريق بناء على رأي من قال هذا الكلام (وهو مراده)؛ إذ ليس البخاري إلا أشهرهم وأصحهم.

ولست أدري أية صدمة ستصيبهم وأي صاعقة ستنزل على نفوسهم المرهفة حين يسمعون هذا الحديث المرير عن الفأرة! لا شك أنهم سيحرقون المؤمنين بصحة هذا الحديث مع صحيح البخاري في المستقبل عند التمكين.

فقد روى البخاري وأحمد والطبراني والبيهقي والدارقطني وأبو داواد والترمذي والنسائي وابن أبي شيبة وعبد الرزاق ومالك ابن أنس عَنْ مَيْمُونَةَ: أَنَّ فَأْرَةً وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ فَمَاتَتْ فَسُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا فَقَالَ أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوهُ.

والمسلمون الذين خرجوا للدنيا فوجدوا أنفسهم يعبدون الله، أو يدينون بلا عبادة لدين اسمه الإسلام، الذين لم يفقههم أحد فيه وهو خير موروث، ولم يطلبوا هم التفقه فيه لأنه غير مطلوب، فصار شأنهم كشأن اتباع الأديان الأخرى القائمة على التلقين والمصدرية في التفسير والأحكام وإن كان العوار يملؤها، وطلب النجاة والغفران من أشخاص يطلبون الغفران من الحاكم ليل نهار وليس من العزيز الغفار. الذين تربوا على سماع أحاديث الروح البعيدة عن مطلوب الروح والدنيا، وعلى فتاوى شيوخ السلطان الذين يُحِلُّونَ للحاكم كل محرم، ويُحَرِّمُونَ على المحكوم كل مباح، وعلى شرائط الدعاة الذين رباهم علماء السلطان فى دولة أخرى ينفخها السلطان باسم الدين والرب وقتما يشاء، ينقسمون عند سماع هذه الأحاديث، وسماع النقد الموجه لها – إن سمينا ما يُوَجَّه لها نقدًا – إلى عدة فرق.

ففريق يقول لمن يخبرهم الشبهة: موتوا بغيظكم، إن الرسول لا ينطق عن الهوى. والبخاري صحيح لا شك فيه. وهؤلاء هم الذين يقبلون كل حديث يقال لهم فيه قال رسول الله وإن خالف الأصول والمعقول، وهم الذي لا يعلمون أو لم يعلمهم من أخبرهم بضروة اتباع النبي وهو حق أن الأحاديث التي جاءتنا عن رسول الله كلها محل بحث وإن صحت؛ لأن الرواية إن سلم سندها فربما يكون متنها شاذًا أو به علة قادحة، فالحافظ ربما ينسى، والمنتبه ربما يهم أو يغفل أو يُدرِج. وهو وإن كان نادرًا فى الحفاظ، لكنه على قائمة الممكن. وكل ممكن لابد من دليل يدل على حدوثه، وليس تكهنًا يفترضه كسول أو ذو غرض. نعم: الأصل في صحيح البخاري ومسلم الصحة؛ لأن قواعد العلم والتحقيق قالت ذلك.

وصحيح البخاري المختصر أصح كتاب دُوِّنَ في رواية الحديث، لذلك تلقته الأمة بالقبول، لكنَّ هذا لا يعني أن الآحاد منه قد ساوى القرآن في الصحة وقوة التثبت، بل يعني أن صحيح البخاري هو أصح كتاب دُوِّنَ في بابه، مقارنة بكل الكتب التي دونت لجمع أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنه يخضع كغيره لأدوات البحث والتحقيق والنظر والنقد العلمية، وضع ألف خط تحت العلمية، ويخضع لقواعد علوم الحديث ولا تخضع هي له كما يفعل أو كما فعل البعض. وأن تلقي الأمة له بالقبول كان محمولًا على هذا، ولو كان البخاري لا يجوز إخضاعه لقواعد قبول الحديث ورده كما يفهم الملايين، أو كما يُفْهِمْهُمْ بعض العجزة لَمَا قام الدارقطني أو ابن الجوزي أو الغسَّاني الجَيَّاني أو ابن حزم وغيرهم من العلماء المختصين برد أحاديث فى البخاري ومسلم، كما فعلوا مع غيرهما من كتب مدوني السنة كالنسائي والترمذي وأبي داود واحمد وابن ماجة مثلًا، وهذا من حيث القاعدة والأصل بعيدًا عن صواب ما أخذه هؤلاء العلماء عليهما من عدمه.

مع التأكيد على أن الصحيح الخالي من الشذوذ والعلة عنده وعند غيره هو الذي عليه العمل في الأصول والفروع. وقد قال النووي في مقدمة شرح مسلم له: ما أخذ عليهما – يعني على البخاري ومسلم – وقدح فيه معتمد من الحفاظ فهو مستثنى مما ذكرناه لعدم الإجماع على تلقيه بالقبول. انتهى.

قال الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح: واختلف كلام الشيخ محيي الدين في هذه المواضع؛ فقال في مقدمة شرح مسلم ما نصه: قد استدرك جماعة على البخاري ومسلم أحاديث أخلا فيها بشرطيهما ونزلت عن درجة ما التزماه، وقد ألف الدارقطني في ذلك، ولأبي مسعود الدمشقي أيضًا عليهما استدراك، ولأبي علي الغساني في جزء العلل من التقييد استدراك عليهما. وقد أجيب عن ذلك أو أكثره.

وقال: قد استدرك الدارقطني على البخاري ومسلم أحاديث فطعن في بعضها، وذلك الطعن مبني على قواعد لبعض المحدثين ضعيفة جدًا مخالفة لما عليه الجمهور من أهل الفقه والأصول وغيرهم فلا تغتر بذلك. انتهى.

والبخاري نفسه له كتب فيها أحاديث ضعيفة ككتاب الأدب المفرد مثلًا، فصاحب الصنعة الأولى في الصحيح المختصر هو نفسه صاحبها في الأدب المفرد، والأصل أنه يجمع الأحاديث والأسانيد التي تصح عنده من طريقه، وتصح على طريقته ومنهجه في القبول والرد، والمختصون بعلوم الرجال والجرح والتعديل والتواريخ والتراجم والعلل يفعلون فيها – أي احاديث البخاري ومسلم وغيرهما –  ما يجب أن يفعله أهل العلم الثقات.، وكم فعلوا وأجادوا.

أما انتقاد المهووسين فلا يؤخذ منه إلا البلادة في الطرح والحماقة في الإستدلال. فعلى المهووسين أن يتعلموا طرق النقد العلمية، أو يكفوا عن تناول حبوب الهلوسة العلمية حين يخرجون علينا بانتقاد ورفض، فكم يكونون بائسين بلهاء عند الحديث أو نقد ما لا يفهمون أصله ولا فصله!

وفريق ثان سيصيبه من الشك ما يصيبه، وتنقلب تأكيداته السابقة حول الشريعة لشكوك، بل ربما يكفر ويرتد، كما فعل شاب عراقي، فنشر بثقة وسخرية حينما رأى بعينه الضعيفة وبمعرفته المعدومة أن حادثة الفيل المذكورة في القرآن تهدم الإسلام وتظهر عواره؛ لأن أبرهة صاحب الفيل كان نصرانيًا موحدًا وعلى الدين الصحيح وقتها – بحسب زعمه – ذاهبًا لهدم بيت تحوطه الأوثان والأصنام ليهدمه ويقيم الملة الصحيحة. فهل يغضب الرب من الموحد وينتقم منه نصرة للوثنيين؟

وهذا لم يُكلف نفسه معرفة أن حادثة الفيل وقعت قبل بعثة النبي بـ40 سنة، أي فى نهايات القرن الخامس الميلادي، وفي هذا الوقت كانت الكنيسة منقسمة بين يعقوبية ونسطورية، واليعقوبية تؤمن بأن المسيح هو الرب، وكانت هي المنتشرة في اليمن، مع العقيدة المونوفيزية التي تغلبت في النهاية بعد ولاية الحبش، وهي تقول نفس قول اليعقوبية، لكنها ترى أن جسد المسيح لم يمت.

أما المسيحيون الموحدون الذين تتحدث أنت عنهم فهؤلاء كانوا قد ظهروا في القرن الرابع الميلادي مع المذهب الآريوسي انتسابًا للكاهن المصري آريوس – إن سلمنا بأن مذهب آريوس هو التوحيد – لكنها لم تصمد أمام النفوذ اليهودي، فخملت لمدة قرن تقريبًا.

أما الحبش الذين قادهم أبرهة نحو الكعبة فوصولهم للحكم وسيطرة عقيدة اليعقوبية بعد أن تولوا نشرها، ثم نشر المينوفيزية، فكان بداية من عام 525 إلى 575 حيث نشر الأحباش  المذهب اليعقوبي الذي يقول بأن المسيح هو الله، ويؤمنون تمامًا بعقيدة التثليث الغريبة منطقًا وحسابًا.

وأبرهة ذهب بحملته إلى الكعبة عام 571، أي بعد انتشار المذهب اليعقوبي الذي يقول بأن المسيح هو الله. انظر مثلًا: المسيحية العربية وتطوراتها ص 69 وما بعدها.

وأبرهة على هذا الوصف كان معتديًا، وليس بطيع لله، حتى إن افترضنا وهو ما لم يكن أنه كان على الدين الصحيح وقت ذهابه لهدم الكعبة. لأن الأصل هو إبلاغ الناس بالدين الصحيح ودعوتهم له بالدليل والبرهان، فإن عاندوا فلا يجبروا على ترك دينهم والإيمان بالدين الصحيح، وإن قتلوا المرسلين القادمين بهذه الشريعة وآذوا أتباعها، هنا يحق للذين ظُلِمُوا قتال من قاتلهم وإخضاعهم وإخضاع شرهم وهدمه.

كذلك كان أبرهة ذاهب لضرب الكعبة وهدمها وليس لهدم التماثيل كما زعمت، فلم يخبرهم بأنه جاء ليهدم التماثيل ويعظم الكعبة المعظمة عند الله وعندهم، بل إنه ما جاء إلا لهدم الكعبة نفسها وإذلال عرب الحجاز.

وقصة أصحاب الفيل والطير الأبابيل، كان بينها وبين بعثة النبي 40 سنة على الأكثر، وهذه مدة زمنية لا تسمح باندراس أصل الحكاية أو تفاصيلها، أو ذهاب بعض شهود العيان عليها، فمن شهدها وهو ابن 20 سنة سيكون له وقت البعثة 60، والذي شهدها وهو ابن 10 سيكون له وقت البعثة 50 وهكذا. وذكر ابن هشام في سيرته عن عائشة – رضي الله عنها – قالت: لقد رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان الناس.

فلو كانت اختراعًا من محمد لحاجه قومه في صدقها وأشاعوا كذبه بسببها، وهو ما لم يحدث. والنجاشي المعاصر للنبي، وأهل اليمن لم يعارضوا القصة لما حكاها القرآن.

فالشاب بدلًا عن البحث، تبجح ببناء نظريات لا يعلم عن أصولها شيئًا، وجعل ظنه يقينًا، ثم يبني على ظنه عقيدة؟

وفريق ثالث سيبحث منفردًا مستعينًا بقواعد العلم والبحث الصحيحة، مستفيدًا من تراث الأمة العظيم في مجال التحقيق والتنقيح والشرح والتفسير، لا يرهبه قول جمهور ولا قول مشهور، بل يُلزم نفسه بالقاعدة لما تصح، ويطبقها على كل أحد، غير عابئ ببهرجة الإعلام أو تفسيرات مشايخ البترو – دولار، أو تفسيرات جاهل مشهور، لا يفهم ظاهر النص ناهيك عن غامضه، لم يظهر إلا لأن من تمكنوا من أصول الاستدلال والنظر بعضهم جَمُد، وبعضهم سُجِن، وبعضهم يلوى عنق النص ليحيا الزعيم  وإن أكل مالك وجلد ظهرك وسبى نساءك في المستقبل. وزنا نصف ساعة على الشاشات العامة والخمر تقطر من فمه، إن صحت تسمية ما ينطق منه فَمًا في الأساس.

وأحاديث مثل حديث الذباب والفأرة وغيرها، تظهر مدى هشاشة العقيدة عند العامة، ومدى بغض بعض المثقفين لتلك العقيدة، فالشبهة ركيكة أيما ركاكة، والتركيز عليها وعلى أمثالها مريب لكل ذي بصيرة، والإصرار على تفسير واحد لها، رغم أن ظرفها معلوم، وطبيعتها ظاهرة عند التحقيق القريب البسيط، يعني أن المصرين على هذا التفسير المتوحد لايريدون حقًا ولا تحقيقًا، بل يريدون تحقيق مكاسب لا تأتي إلا من توحيد هذا التفسير وإبرازه صنمًا فردًا.

فهذه الأحاديث تنفع كل أمة، وكل واحد من الناس قطرة الماء تساوي عنده حياة، أولئك الذين يسيرون الآف الأمتار حتى يملأون ما يملأه الواحد منا في دقيقتين. وهذا لو نزل ثعبان كان لتوه قد أكل فأرا أمام عينيه في هذا الماء الذي جاء به بعد كل هذا العناء، ما وسعه إلا أن يزيح الثعبان وينتفع بالماء بكل أريحية ونشاط.

وأنت تعجب أن أناسًا مثل هؤلاء المقروفين من حديث الذباب والفأرة، يشاهدون برامج تحدي البقاء فى المناطق الصحراوية وغيرها كتلك التي يقدمها بير غريلز بإعجاب ودهشة محبة، وفيها:

اخلع جواربك وأملأها بالطين واشرب، لا بأس أنه من أجل البقاء. تبول واشرب بولك، لا بأس إنه من أجل البقاء. كل من فضلات الدب الأشهب، لا بأس إنه من أجل البقاء. كل هذا يحدث ليكون فاصلًا بين الحياة والموت، لشخص يعيش في هذا الكابوس (وهو الحرمان من الماء النقي والطعام) لأيام، فما بالنا وهناك أمم من الناس تعيش على قطرات الماء، وما يمكنها تخزينه من شحم حيوان أو لحمه أعمارًا ودهورًا.

وتخيل أن رجلًا يخزن فى بيته سمنًا أتى به من حيوانات اصطادها، وهذا هو مخزون العام أو الشهور القادمة، وفي أحد الأيام سقطت فيه فأرة. ماذا سيفعل الرجل؟ هذا يعتمد على طبيعة البيئة التي يعيش فيها. فإن كان السمن نادر الحصول عليه، ولا يمكنه الاستغناء عنه، فسيطرح الفأرة ويأكل منه لا محالة.

فقرف الإنسان يتغير بطبيعة المنطقة والبيئة التي يعيش فيها، فهناك إنسان يقرف من أن يستحم مع جاموس أو فرس، لكن الذي يربيها ويستفيد منها يستحم معها رغم معرفته بأنها قد تبول في النهر الذي يستحم معها فيه.

وانظر مثلًا إلى ما يفعله هازن أوديل في أساليب البقاء، وتخيل لو أن أحدًا قصه عليك دون أن يخبرك طبيعة الأرض التي يخبرنا عنها هازن أو الأسباب الجالبة لقبول تصرفات كهذه، كالتي يفعلها هنا في حلقة يستغرق إتمامها أسابيع، محاكاة لحياة شعب يعيش هذا عمرًا.

https://www.youtube.com/watch?v=QB6aj8F-0sc

فمن كان يتقرف ولا يحب مثل هذا، فالنص أصلًا لم يُلزمك بفعل هذا، بل هو اقتراح لمباح، فعلى من يتقرف أن يطرح الماء كله أو السمن كله، ثم يذهب وليأت بماء وسمن جديد بنفسه.

والدين الإسلامي من استقراء نصوصه، يظهر أنه عملي جدًا، مرن جدًا، التحريم فيه ضيق النطاق، بعكس ما روجه شيوخ الكتيبات المجانية والشرائط الكثيفة. وبخلاف ما يروجه الملحدون والمخالفون لهذا الدين بتصيدهم المستمر لما لا يفهونه، أو لا يريدون فهمه، ولو أنهم طبقوا معشار ما يطبقونه على نصوص الإسلام على أديانهم ومذاهبهم، لهجروها وتابوا لله منها، لكنه التعصب الأعمى، واللهث وراء شهوات النفس، كما فعل ذلك الشاب حينما قال لي: إن نبيكم يعبد الماعز ويصلى لها! قلت له أين هذا؟ قال: في صحيح البخاري! قلت: اتله. قال: جاء في حديث للبخاري: ثُمَّ رَأَيْتُ بِلَالًا أَخَذَ عَنَزَةً فَرَكَزَهَا وَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مُشَمِّرًا صَلَّى إِلَى الْعَنَزَةِ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ. قلت له: هل الماعز تركز في الأرض إن سلمت بأن المقصود بالعنزة هنا الماعز؟! قال: فأنت تُكذب البخاري إذًا؟ قلت: لا بل أضحك على جهلك المركب، فالمعنى لا يستقيم عقلًا، وهذا يعني أن هناك شيء يستوجب التفسير. قال: ما هو؟ قلت: العنزة التي فسرتها أنت بالماعز. قال: وما تفسيرها يا سابق عصرك وأوانك؟ قلت: الْعَنَزَةِ  بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالنُّونِ وَالزَّايِ: عَصًا أَقْصَرُ مِنَ الرُّمْحِ لَهَا سِنَانٌ، وَقِيلَ هِيَ الْحَرْبَةُ الْقَصِيرَةُ. وهذا ذكره الحافظ بن حجر شارح البخاري في كتابه الفتح. أما العَنْزَة بسكون النون فهي الأُنْثى من المَاعِز أَو أُنْثى التَّيْس.

فلا أنت حاكمت الحديث على قواعد العربية، ولا أنت بحثت عن معنى الحديث ومراده، ولا أنت أشركت أو سألت من لديه العلم فيما تريد البحث فيه. ثم خرجت علينا بهذا النطح العجيب.

وهذه ذخيرة الجهلة والمتصيدين، فلا يصيب ضربهم إلا من يبني دينه على العاطفة وصور الطماطم والعجول والسمك المكتوب عليها اسم الله، أولئك الذين لا يقرأون عن دينهم إلا وقت الأزمة، ولا يعرفونه إلا ساعة الشبهة، الذين يعيش الدين فيهم وبينهم غريب، أو الذين يحبون الله ورسوله ولا يعرفون طريق الوصول، فيتردد عقلهم بين نص لا يُسْتَوْعَب، ودين محفوظ، وحكايات المشايخ المبتورة أو الناقصة عن البخاري ومسلم والسلف، ومهرجين يخبرونهم أن كل ما لايقبله العقل لابد أن يترك، وآخرين يخبرونهم بأن العقل أمام النص يُعطل، وفريق ثالث يخبرهم بأن العقل يحترم، لكنهم عند التطبيق يذبحونه. فتصيبهم سهام الشبهة من ألف باب، فيفتحون الشبابيك، فلا يجدون إلا ظلمات تحجب نور الشمس، ودماء تحجب نور العدل، وفساد حاجب للرزق، وهوى حاجب للدين.

فيجتمع على قلبه شبهات وغضب، وهذا مزيج قاتل، يصنعة الطغاة وعبيد إحسانهم باحتراف منذ سنين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد