فى الخطبة التي ودع رسول الله صلى الله عليه وسلم الدنيا بعدها نادى في المسلمين وقال:

يَا أَيُّهَا النَّاسُ! أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالُوا: يَوْمٌ حَرَامٌ. قَالَ: فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ قَالُوا: بَلَدٌ حَرَامٌ. قَالَ: فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ قَالُوا: شَهْرٌ حَرَامٌ. قَالَ: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فَأَعَادَهَا مِرَارًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَوَصِيَّتُهُ إِلَى أُمَّتِهِ فَلْيُبْلِغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ. رواه البخاري.

وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر من موضع حول الحاكم والمحكوم أصول راسخة وتنبيهات واضحة، ومقيدات ينضبط تحتها ومعها العام والمطلق فقال: لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةٍ ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ. رواه البخاري.

السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ. البخاري.

وعن مصعب بن سعد قال: قال علي – رضي الله عنه – كلمات أصاب فيهن: حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله، وأن يؤدي الأمانة، وإذا فعل ذلك فحق على الناس أن يسمعوا، وأن يطيعوا، وأن يجيبوا إذا دعوا. الطبري تفسير قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ.

والله أنزل العدل وأمر به، وأنزل الرحمة وأمر بها، ونهى عن الظلم والاعتداء والبغي، ونهى عن موالاة العدو المحارب للأمة، ونهى عن الإفساد فى الأرض بعد إصلاحها.

والله لما سمى ولاة الأمر الذين أوجب لهم الطاعة قال:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا.

فقوله تعالى: مِنْكُمْ. أي: منك يا أيها المؤمنون. والمؤمن هو الذي يقود ويُقاد بكتاب الله، وهو الوقاف عند حدوده، وهو الذي لا تأخذه العزة بالإثم، وليس هو الفاجر في الخصومة، ولا المنتهك لحرمات الله، ولا الذي يأكل أموال الناس بالباطل، ولا الذي يستحل دماءهم وأعراضهم، ولا الصاد عن سبيل الله.

وقوله تعالى: مِنْكُمْ. أي خرجوا منا – نحن المؤمنون – وهذا موجب لرضانا بهم واختيارنا لهم، فإن جاءوا رغمًا بالسيف، أو أوجدهم العدو المتربص بنا بالقوة – خفية كانت أم ظاهرة – لم يكونوا منا ولم نكن منهم، بل بعضنا يبرأ من بعض، وبعضنا يلعن بعضًا، وبعضنا يتربص بالآخر ليقصمه ويفنيه. وهذه ليست دولة يقام فيها الدين والملة، أو يستقيم فيها أمر الناس وشؤونهم، بل شيء أكثر شرًا من غابة يتقاتل فيها البهائم. يقودهم الأكثر فتكًا، الذي لا يرى فى المحيط الذي يتربع عليه إلا ملكية خاصة، ولا يرى في كل المستوطنين لها إلا فرائس.

والله فى الآية يوضح من تجب له الطاعة، لكنه لا يساوي، فطاعة الله ورسوله لا تساوي طاعة ولي الأمر، ولا تقترب منها ولو شبرًا؛ لأن طاعة الله ورسوله أصلية، أما طاعة ولي الأمر فمربوطة بمدى انقياده لله والرسول، وانقياده لله والرسول تعني: العدل في الحكم – الكف عن أموال الناس – الأخذ على يد الظالمين أو الفاسدين أو المفسدين بحسب القدرة والمصلحة، شريطة ألا يتخذ من القدرة والمصلحة ذريعة للركون الذي تفسد معه أحوال الناس، وتضيع معه الحقوق والواجبات، أو يضيع الدين والدولة التي لأجل الحفاظ عليها اعتبرت القدرة والمصلحة. فالقدرة والمصلحة ما اعتبرت إلا لهذا، ولم تعتبر لتكون حجة أو مطية يتخذها الظلوم الكذاب أو الجبان والأحمق سترًا يستتر به من المسؤلية والمُساءلة.

وَعَنْ أَبِي حَازِمٍ: أَنَّ مَسْلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ لَهُ: أَلَسْتُمْ أُمِرْتُمْ بِطَاعَتِنَا فِي قَوْلِهِ: وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ؟ قَال: أَلَيْسَ قَدْ نُزِعَتْ مِنْكُمْ إِذْ خَالَفْتُمُ الْحَقَّ بِقَوْلِهِ: ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ). البحر المحيط.

وقول رسول الله: وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي. فالنبي نسب الأمير إلى نفسه، ولا ينسبه إلى نفسه، إلا إذا كان مرضيًا عنه منه صلى الله عليه وسلم.

يقول الحافظ بن حجر: فَإِنَّ كُلَّ مَنْ يَأْمُرُ بِحَقٍّ وَكَانَ عَادِلًا فَهُوَ أَمِيرُ الشَّارِعِ؛ لِأَنَّهُ تَوَلَّى بِأَمْرِهِ وَبِشَرِيعَتِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ تَوْحِيدُ الْجَوَابِ فِي الْأَمْرَيْنِ وَهُوَ قَوْلُهُ: فَقَدْ أَطَاعَنِي؛ أَيْ عَمِلَ بِمَا شَرَعْتُهُ، وَكَأَنَّ الْحِكْمَةَ فِي تَخْصِيصِ أَمِيرِهِ بِالذِّكْرِ أَنَّهُ الْمُرَادُ وَقْتَ الْخِطَابِ، وَلِأَنَّهُ سَبَبُ وُرُودِ الْحَدِيثِ. فتح الباري.

 

وقوله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ. نزلت أصلًا في أصحاب السرايا الذين كانوا يرسلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمراء، وسبب النزول يخبرنا ضابطًا مهمًا، وهو أن طاعة أولى الأمر مربوطة باتباعهم الحق وأمرهم بالعدل، واتباعهم أمر الله ورسوله، فإن خالفوا في شبر حُّسِّبُوا، فإن رأت الأمة عزلهم عزلوا.

فقد روى الإمام أحمد عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: بَعْثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَلَمَّا خَرَجُوا وَجَدَ عَلَيْهِمْ فِي شَيْءٍ. قَالَ: فَقَالَ لَهُمْ: أَلَيْسَ قَدْ أَمَرَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُطِيعُونِي؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: اجْمَعُوا لِي حَطَبًا. ثُمَّ دَعَا بِنَارٍ فَأَضْرَمَهَا فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ لَتَدْخُلُنَّهَا. قَالَ: فَهَمَّ الْقَوْمُ أَنْ يَدْخُلُوهَا، قَالَ: فَقَالَ لَهُمْ شَابٌّ مِنْهُمْ: إِنَّمَا فَرَرْتُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ النَّارِ، فَلَا تَعْجَلُوا حَتَّى تَلْقَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنْ أَمَرَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوهَا فَادْخُلُوهَا. قَالَ : فَرَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ لَهُمْ: لَوْ دَخَلْتُمُوهَا مَا خَرَجْتُمْ مِنْهَا أَبَدًا، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ. أُخْرِجَ فِي الصَّحِيحَيْنِ.

وانظر لقوله صلى الله عليه وسلم: مَا خَرَجْتُمْ مِنْهَا أَبَدًا؛ لأن الاستجابة لأمر الحاكم لمجرد أنه حاكم ولو خالف الأصول والمعروف والشرع والملة، موجب للفساد والإفساد فى الأرض، والذي منه إهلاك الحرث والنسل، والذي يرى الناس اليوم بعض أثره، وإلا فأثره قديم جدًا، منذ اليوم الأول الذي أُجبر الناس فيه على المُلك الجبري ولو لطفل أحمق أو سكير فاسق، والذي نُحيت معه الأمة عن الاختيار وممارسة حقها المشروع الثابت فى الإنكار ومساءلة الحاكم عما يفعل؛ لأنه موكل لا سيد.

والله قال: وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ.

وقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَالْمُرَادُ بِـ(أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ: أُمَرَاءُ الْحَقِّ؛ لِأَنَّ أُمَرَاءَ الْجَوْرِ، اللَّهُ وَرَسُولُهُ بَرِيئَانِ مِنْهُمْ؛ فَلَا يُعْطَفُونَ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ . وَكَانَ أَوَّلُ الْخُلَفَاءُ يَقُولُ: أَطِيعُونِي مَا عَدَلْتُ فِيكُمْ، فَإِنْ خَالَفْتُ فَلَا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ.

لكننا ابتلينا بقوم قالوا للناس أولًا: سلطان غشوم خير من فتنة تدوم.

فسكن  بعض الناس لمثل هذا، ظنًا منهم أنه شرع – والشرع لا يأمر إلا بالحكمة – فما كانت النتيجة إلا أن عظمت واستمرت الفتنة فى الدين والمال والعرض والنفس.

ثم قالوا وأذاعوا: الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها.

ولا أدرى متى نامت الفتنة منذ أن صعد أمراؤكم؟

متى نامت والدين في كل يوم يقص منه ويزاد فيه؟

متى نامت وقتل الناس بالشبهة قائم بأسم القضاء والعدل، والتصفيات الجسدية فى الشوارع وداخل مخافر الشرطة قائمة منذ عقود؟

متى نامت الفتنة والأموال منهوبة، والأعراض مهددة من المالكين للسلاح الميري قبل سلاح البلطجية المعروفين للشرطة والدولة اسمًا ووصفًا ومكانًا؟

متى نامت الفتنة وأوجاع الناس المرضية والنفسية والاقتصادية تأكلهم ليل نهار؟

وقد كتب علماء السلطان لتكريس وشرعنة هذا الاستلاء وهذه اللصوص كتبًا وكتيبات ومجلدات، ونشروا لأجله صوتيات ومرئيات وفتاوى، وساقوا الناس سوقًا، ونعقوا بين الناس نعيقًا شديدًا مرات بالنصوص التي لووا عنقها ليًا، وأخرى بتكفير الخصوم والتشنيع عليهم قربة للحاكم، لا لله، الذين يدعون نصرة دينه والدعوة إليه.

لكنهم لم يُقَابلوا في بداياتهم بردود علمية تقصم ظهر شبههم الكاذبة، وتأويلاتهم المريضة، بل كانت الردود في أغلبها باحثة عن نقاط الالتقاء لأننا جميعًا إسلاميون، أو كانت حماسية خالية من توصيف علمي معتبر، يظهر للقاصي والداني وقاحة ما يطرحون ويأمرون الناس باتباعه، أو خائفة من السلطان الذي يحمى أولئك اللصوص المزورين.

وهؤلاء المزورون لما بدأوا زورهم قالوا للناس: إننا ما أمرناكم بهذا إلا حفاظا على الدين والعرض والضرورات الخمس.

ومرت الأيام سريعًا وانتشرت تلك الشريعة المزورة بين الناس، حتى أَقصى حكامهم الدين كلية وانتهكوا الضرورات الخمس كلها وزادوا؛ ففسد على الناس دينهم ودنياهم.

فقال علماء السوء ببجاحة معهودة: أطيعوا الحاكم، وإن جار وزنا علانية وسكر، بل أطيعوه وإن استباح الدين كله أو كفر؟

فلم يقم لهم إلا نفر قليل في كل حقبة، أهلكم الحاكم المغتصب للسلطة بقوته التي عظمت شيئًا فشيئًا مع كل تنازل قبل به الناس حتى لا تدوم الفتنة أو حتى تبقى نائمة، لا تقوم كما أخبرتهم العمائم المزورة.

فهل وجدتم ما وعدكم المزورون حقًا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد