قبل حوالي ألف عام كتب ابن طفيل قصته «حي بن يقظان» المعزول تمامًا منذ الطفولة في جزيرة نائية، حيث ربته ظبية  على غرار طرزان وماوكلي فيما بعد، في القصة تموت الظبية ثم يبدأ صديقنا بالوصول إلى بعض المعارف، مفادها أن الجسد هو مجرد آلة وبداخله روح خفية، هي وراء حركته وذلك بعد أن يشرِّح الظبية من ثم حيوانات أخرى، ثم يصل إلى وجود إله خالق لهذا الكون، مستخدمًا «الحجة الكونية»، يصل الأمر بحي إلى الاعتكاف في كهف على جزيرته النائية متفكرًا في ذات الله زاهدًا في الطعام.¹

تبدو قصة جميلة، لكن لو فعلًا عاش طفل وحيدًا في غابة وربته ظبية، بغض النظر عن إمكانية حدوث مثل هذا الشيء، هل سيحاول أن يكتشف سر الموت والخلق ويستخدم المنطق وحتى التجربة، أرى أننا قد نكون أمام أسئلة من نوع هل لدى الإنسان أفكار فطرية تدفعه إلى الوصول إلى معارف بعينها حتى لو كان معزولًا، أم أن أفكاره مكتسبة، بالتالي سيحصل المعرفة من البيئة التي وجد فيها؟

الأفكار الفطرية والأفكار المكتسبة

في القرن السابع عشر ذكر ديكارت أبو الفلسفة الحديثة، أن مصادر المعرفة هي الأفكار الجلية، والحواس، والقراءة ومخالطة الناس من ثم الوحي، والأفكار الجلية هنا تعني أن لدينا أفكار فطرية بحسب ديكارت، وهو ما يعود ليؤكده عندما يقول «لاحظت أيضًا بعض القوانين التي اقامها الله في الطبيعة، والتي طبع في نفوسنا معارفها»²، وكأنه يقول لنا إن حي يستطيع أن يعرف الكثير بفطرته وأن يصل إلى الله، خاصة أنه جعل من الله الضامن لوجود العالم الخارجي³ بعدما شك في الحواس، وحتى شك قبلها في وجوده شخصيًّا قبل أن يهتدي إلى الكوجيتو الشهير «أنا أشك إذن، أنا أفكر، إذن أنا موجود»، الذي اطمأن من خلاله إلى وجوده، من ثم انطلق منه واضعًا فلسفته.

ولكن لم يتأخر الرد كثيرًا على ديكارت وأفكاره الفطرية، ففي القرن نفسه جاء جون لوك ليقول «عقول الأطفال عند الميلاد تشبه الورقة البيضاء، مع أنهم في البداية يتأثرون بوضوح بالتأثير الفطري تمامًا لأفكار بعينها من خلال الحواس، فإنهم سرعان ما يشوهون أيضًا بتعاليم الكبار الخرافية وغير المنطقية في أغلب الأحوال، وحالما تتشوه عقولهم على هذا النحو، حيث يفوق العرف في قوته قوة الطبيعة، فلا سبيل إلى إصلاح هذا التشوه إلا عن طريق الجهد المتواصل الذي يستحثه الحب المتأصل لدى الإنسان لمعرفة الحقيقة».

لا يحتاج لوك لكوجيتو ديكارت لإثبات وجوده؛ فهو حدسي، كما أن وجود الله حدسي كذلك، إذن فحي سوف يدرك وجوده بشكل حدسي، كما سيدرك وجود الله، ولكن فيما يخص البيئة فوفقًا للورقة البيضاء لدى لوك فلن يكون حي مميزًا كثيرًا بين الحيوانات الأخرى، فسوف يكتسب المعرفة من البيئة، وهي الأدغال في هذه الحالة، ولكن هل سيبذل جهدًا لمعرفة الحقيقة بعدما تشوه عقله؟

جاء إيمانويل كانط في القرن الثامن عشر جامعًا بين الرأيين؛ فالمعرفة عنده تحدث ﺑﺎلخبرة اﻟﺤﺴﻴﺔ والمبادئ العقلية معًا، ذكر في كتابه الشهير نقد العقل الخالص أن معرفة الإنسان يستحيل أن تجاوز حدود خبرته الحسية، إلا أن هذه الخبرة الحسية نفسها لا بد لها من قوالب تكون فطرية في طبيعة العقل لتشكل الخبرة على غرارها، ومن تلك الأفكار المكان والزمان اللذان هما وسيلتنا للإدراك الحسي بالإضافة إلى السببية.

 إذن نستطيع أن نضيف أن حيًّا يستطيع معرفة السببية، فقد يربط بين سكون الجسد والموت، بالتالي يعرف أن بعد هذا السكون لن تعود الظبية إلى الحركة أبدًا لكن هل يصل به الحال إلى تشريح الجثث بل صناعة آلات لفعل ذلك، على الأرجح سوف يدرك الموت كما تدركه الحيوانات المحيطة به، وسيكتفي بذلك ربما مع قليل من الحزن لأنه ببساطة لم ير حيوانًا يشرح حيوانًا، ولكن هل قوالب كانط الفطرية ستمنح حيًّا الأفضلية على الحيوانات بالتالي سيتجاوز حدود بيئته؟ دعونا نتكلم عن الإرادة، ربما نستطيع أن نفهم أكثر.

 الإرادة

سؤال الإرادة قديم جدًّا يعود إلى أكثر من 200 سنة قبل الميلاد، ناقشه الرواقيون، ونفوا أن لدينا إرادة حرة، ووافقهم الرأي العديد من الفلاسفة فيما بعد، لكن التهديد لحريتنا بدا أكبر عندما تدخل العلم.

في ثمانينيات القرن العشرين أجرى بنجامين ليبيت العالم الفسيولوجي تجربته الشهيرة، إذ طلب من متطوعين إصدار حركة في وقت محدد، واستخدم الرسم الكهربائي للمخ لتوضيح أنه يمكن الكشف عن نشاط في القشرة الحركية للدماغ قبل أن يشعر الشخص بأنه قرر الحركة بحوالي 300 ميللي ثانية، كما أنه مؤخرًا أوضحت تسجيلات مباشرة من قشرة المخ أن نشاط 256 خلية عصبية كان كافيًا للتنبؤ بقرار شخص الحركة 700 ميللي ثانية، قبل أن يصبح واعيًا بالقرار بنسبة دقة تصل إلى 80%.  

مثل هذه المعطيات جعلت عالم الأعصاب جون- ديلان هاينز يقول لمجلة نيو ساينتيست: «قراراتنا تتحدد بصورة مسبقة في اللاوعي قبل زمن طويل من دخولها مرحلة الوعي، يبدو أن المخ يتخذ القرار قبل أن يفعل الإنسان ذلك». كما أن عالم الأحياء التطورية جيري كوين كتب قائلًا: «واقع الأمر أنه وبالنسبة لكل اختياراتنا، لا يوجد منها ما نتج من قرارٍ واعٍ من جانبنا. ليس هناك حرية اختيار، ولا توجد إرادة حرة». كذلك قال عالم الأعصاب سام هاريس: «إننا إذا ما استطعنا أن نكشف عن الاختيارات الواعية للناس بواسطة جهاز مسح دماغي قبل ثوانٍ من وعيهم بهذه الاختيارات؛ فإن هذا الأمر يمثل تحديًا مباشرًا لكونهم أشخاصًا واعين لما بداخلهم».¹⁰

هناك فريق آخر يدافعون عن الحرية بالرغم من أنهم يعترفون بأن حريتنا ليست بذلك القدر الكبير، لكنهم يرون فرقًا شاسعًا ما بين وجود قدر قليل من الإرادة الحرة، وانتفاء وجودها بالمرة.

من حججهم أن علم الأعصاب في الوقت الحالي يفتقر إلى التطور التقني الكافي لتحديد ما إذا كان النشاط العصبي المرتبط بتخيلاتنا وبتقييمنا للخيارات المستقبلية، يستطيع التأثير في الاختيار الذي سوف نستقر عليه بعد دقائق، أو ساعات أو أيام قادمة، كما أنه لا يوجد حد فاصل واضح بين الوعي واللاوعي.

 مثلًا تجربة ليبت، بدأت هذه التجربة بمشاركين يحضرون بصورة واعية للقيام بعدد من الأفعال المكررة وغير المخطط لها، وحينما بدأت التجربة حرك هؤلاء معاصمهم بتلقائية وقت أن أحبوا فعل ذلك، والنشاط العصبي الذي تضمنته عملية التخطيط الواعي ربما يكون قد أثر في الفعل غير الواعي بالحركات في وقت سابق، الأمر الذي يكشف عن حدوث تفاعل بين النشاط العصبي الواعي وغير الواعي، كما أن هذا النشاط العصبي الباكر قد تنبأ بالاختيار المستقبلي بدقة تزيد نسبتها على 10% من دقة التنبؤات التي يمكن التوصل إليها في لعبة حظ.

ومن الممكن أن يكون النشاط العصبي الذي يرتبط بهذا التخطيط، غير ذي أثر في ما نفعله، أو قد يكون هذا النشاط هو مجرد قصص تأتي بعد حدوث الفعل لكي تفسر لنا وللآخرين ما فعلناه، لكن لو كان الأمر كذلك، لما وجدنا له أي تفسير تطوري مقنع، فدماغنا يمثل 2% من وزن الجسم البشري، لكنه يستهلك 20% من طاقته، وما دام هذا يعني أن ثمة قوة متطورة قوية تعمل ضد العمليات العصبية، وتستطيع أن تسمح بحدوث التفكير المعقد، دون أن يكون له أي تأثير في سلوكنا.¹²

ولكن لو أن حيًّا يمتلك القليل من الإرادة الحرة في أحسن الأحوال، ولا يمتلكها بتاتا في أسوأها، إذن لكان الأمر حتميًّا، فسواء كان في الغابة أم في المدينة، فإنه سيعمل مثل روبوت آلي وفقًا للبرمجة التي بداخله، أليس كذلك؟

العوامل التي تصنعنا

هل اخترت الزمان أو المكان الذي ستأتي به إلى الوجود؟ ماذا عن والديك، جنسك ذكر أم أنثى، أو بلدك، كان ممكن أن تولد قبل قرنين من الزمان في حقول السكر الأمريكية لأبوين من العبيد، أو ربما فتاة قاصر في قرية نائية في أفغانستان، تُزوج إلى شيخ القبيلة الطاعن في السن، ولكنك عوضًا عن ذلك لديك الترف لتقرأ مقال «حي بن يقظان».

من الواضح أن عوامل مثل الجينات والبيئة والتربية والتعليم والهرمونات تلعب دورًا كبيرًا في تشكيلنا، فلو أخذنا الجينات مثلًا فحسب عالم الأعصاب الأمريكي ديفيد إيجلمان، إذا كنت حاملًا لمجموعة معينة من الجينات فإن احتمال ارتكاب جريمة عنف يكون أربعة أضعاف ما سيكون عليه الحال إذا كنت تفتقر إلى تلك الجينات، وكذلك احتمالية أن ترتكب عملية سطو ثلاثة أضعاف، وخمسة أضعاف احتمالية ارتكاب اعتداء عنيف، وثمانية أضعاف احتمالية إلقاء القبض عليك لارتكاب جريمة قتل، وثلاثة عشر ضعفًا احتمالية إلقاء القبض عليك لارتكاب جريمة جنسية.

%98.1 من السجناء المحكوم عليهم بالإعدام يحملون هذه الجينات، تشير هذه الإحصائيات وحدها إلى أنه لا يمكننا افتراض أن الجميع يأتون إلى هذا العالم متساوين من حيث الدوافع والسلوكيات، ويستشهد إيجلمان بقصتين، واحدة لشخص سماه ألكس، كيف أن ميوله الجنسية تحولت ليكون محبًا للأطفال (Pedophile) عندما أصبح لديه ورم في المخ، وآخر يدعى ويتمان، كيف أنه ارتكب جريمة مروعة قتل فيها 13 شخصًا وأصاب 32 آخرين، بعدما فتح عليهما النار، وبعد أن أردته الشرطة قتيلًا أُخذ إلى المشرحة ليكتشفوا لاحقًا أنه كان يعاني من روم في دماغه، إذن التغيرات البيولوجية تغير حتى في رغباتنا.¹¹

تكتب تلك العوامل قصة كل منا على تلك الصفحة البيضاء، لن نستطيع أن نمحو أو نغير شيئًا، لكننا بالتأكيد نستطيع كتابة صفحات جديدة، ستبقى تلك الصفحات القديمة تلعب دورًا فيما سيُكتب في المستقبل، ولكننا سوف نغير المستقبل إذا تعلمنا في الحاضر، نعم إن المعرفة تستطيع أن تصنع الفارق، فقد لا تستطيع أن تغير لغتك الأم التي ولدت في مجتمع ما ووجدت نفسك تتكلم بها، وستبقى لغتك الأم رغمًا عنك وإلى الأبد، ولكنك قد تنتقل من الحي السيئ الذي عشت فيه وأفسد شبابك، موفرًا لأولادك بيئة أفضل، بالتالي مستقبلًا أفضل.

 إن المعرفة التي تحصلت عليها ربما بأصعب وأقصى الطرق، قدمتها على طبق من ذهب لأولادك، وهكذا فإن المعرفة تراكمية، وتساهم في تحسين حياتنا، ولا يمكن أن تكون كما حصلها صديقنا حي الذي عرف الكثير دون احتكاك مع البشر، إن لدى حي دماغًا متطورًا عن بيئته قليلًا، لكن للأسف لن تساعدك جيناتك وحدها، ليس هنالك معجزات، على الاغلب سيعيش حي مثله مثل باقي الحيوانات.

إن وعينا بأن إرادتنا محدودة جدًّا هو ما يعطينا شيئًا من الحرية، فكما قال هاريس في كتابه الإرادة الحرة، وهو كما رأيتم سالفًا من المنكرين للإرادة الحرة «أن تتشاحن مع زوجتك لأنك في مزاج سيئ تعد طريقة أخرى لأن تدرك أن مزاجك وسلوكك تسبب فيه انخفاض نسبة السكر في الدم. هذا الفهم يكشف لك بالطبع حقيقة أنك دمية بيوكيميائية، لكنه أيضًا يسمح لك بأن تمسك بأحد خيوطك، قليل من الطعام قد يكون كل ما تحتاجه شخصيتك. أن نذهب إلى ما وراء أفكارنا ومشاعرنا الواعية قد يسمح لنا بقيادة مسارات أكثر ذكاء لحياتنا بالطبع مع العلم بأننا في نهاية الأمر يجري توجيهنا».

هناك أمور لا نستطيع التحكم بها كالمشاعر والأحاسيس والتفضيلات، فهي تعترينا رغمًا عنا، فهل لو كنت مثلًا شخصًا يحب أكل البيتزا، قادر على تغيير رغبتك؟ أو لو كنت شخصًا لا يحب السمك، قادر على أن تحبه؟ لكنك بالتأكيد تستطيع أن تمنع نفسك من أكل البيتزا رغم حبك لها؛ لأن الطبيب أخبرك بأنها مضرة لصحتك.

إذن حريتنا هي حرية فعل وليست إرادة، ولكننا قد نفقد السيطرة أحيانًا تحت وطأة العوامل التي ذكرناها، أو من جراء وضع صحي، كما حصل مع ويتمان وألكس، إذن الرأفة بالناس وما يصدر عنهم من أفعال، فلو كنت مكانهم ولديك المعطيات نفسها فلا بد أن تكون المحصلة واحدة، لا يعني هذا ترك الوحوش تمرح في ضواحينا السكنية ومنحهم الأعذار لأنهم لا يستطيعون كبح جماحهم، بل هي قراءة أكثر موضوعية تمكننا من فهم أعمق ومحاولة تغيير ما يمكن تغييره.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

حي بن يقظان

المصادر

تحميل المزيد