– ماذا يعني لكَ الوطن؟
عامٌ مضى على ذلك اليوم الذي استمعتُ فيه لسؤاله، أذكر تمامًا نظرَته التي انتظر بها إجابَتي، وبِدَوري رُحتُ أنا أعبث وأبحث بينَ طيّات الذاكِرة، ماذا يعني لِيَ الوطن؟ أو ما هُوَ الوطن من الأساس؟!
وجدتُ الكثير؛ ما اتّسعَت لهُ الأوراق فَكتبتُه، وما لَم يستَطِع العقلُ ترجمته فخبأته.

كُنا مَحضَ أطفالٍ ترَبينا على حُب الوطنِ دون أن نسأل ما هو الوطن أو نطلُب أن نراهُ لِنعرفه، لَم تَغِب عنّا حماقةُ الأطفالِ أبدًا؛ فَرُحنا نُغني ونُنشِد باسمِ الوطن، وكُنا نَسُب الديكتاتور أيضًا! كُنا نقول كلماتٍ أكبر مِن أن تحتويها أو تفهمها أعمارُنا الصغيرة، بعقولِنا التي كانت أصغر مِن أن تَعي المشهدَ كاملًا وبقلوبنا البيضاء تلك التي اعتادت على حُب اللون الأحمر وكُرهه إن كان في لونِ الدماء!

ثُم كبرنا، كبرنا سريعًا لِنصطدم بواقعٍ لم يغفِر لنا أننا بَعدُ ما زِلنا صِغارًا على الاصطدام بِه، ولكننا بدلًا مِن أن نُحاول فهم ما جرى ويجري رُحنا كالحمقى مرةً أُخرى، نهتِفُ للوطن، ونرفع صوتَنا أكثر لِيَسمعنا الوطن! ولِيسمعنا الديكتاتور أيضًا!

لَم نعبأ بِقهرِ القلبِ وعجزِهِ أمام كُل الرفاقِ الذين سقطوا أمام أعيُننا، وصوت بنادق الرصاص الذي حجبَ عنّا صوتَ هتافنا نَحن، ولم نعبأ بصوتِنا المبحوح الذي لم يَعُد مسموعًا بما يكفي ليصِل إلى آذانِنا، لم نهتم بنظرات أُمهاتِنا لنا فورَ عودَتِنا مُلطّخين بالدماء، ولا لأمهات أصدقائنا الذين لم يعودوا أبدًا، إننا حتى لم نعبأ بنظرتنا إلى وجوهنا في المرآة، لم نعبأ بأيّ شيء، فقط كُنا نفكر طويلًا في مَن يا تُرى سنودع في مشهد الوداع القادم، سنودّع أم سيودعوننا هُم!

ضحايا تِلو الضحايا، ودماء تِلوَ الدماء، ووداعٌ يَلي الوداع، باتَ كُل ما يَعنينا أو يَلزمنا الاهتمام به أن نؤدي الوداع حقه، فقط حقه كما يجب، أن نبكي كما يجب، لكن على ماذا؟! إننا حتى لم نَكُن واثقين على أي شيء ينبغي علينا البكاء، بدا المشهد مُشوّشًا، ما كُنا نُدركه تمامًا هُوَ أنه لم يَكُن بِوِسعِنا فعل المزيد أبدًا.

كُل شيء كان باهِتًا.. كل شيء إلا صورته على الحائط، ومشهد وداعه في الذاكرة، إنهم حتى سلبونا حق الوداع، ننام ونستيقظ فلا نجده، ثُم يُحدثنا أنه سيعود، ثُم يُخبرنا أنه لن يستطيع العودة في القريب، ننتظر وننتظر، حتى أدركنا أخيرًا أنه لن يعود أبدًا، توقفت عند هذا المشهد تمامًا.. الوداع الذي حُرِمنا مِنه، توقفت أو لِنَقُل “أوقفت الذاكرة”، عُدت لواقع سؤاله ولنظراته المُتفحص.
أخبرتُه أن الوطن أمان الخائفين، راحة المُتعَبين، إدراك السُكارى، عودة الغائبين، أن اليدَ التي ترتفع للوداع دائمًا لن تُرفع إلا للتلويح للقادمين تِجاهَنا، الوطن يعني أن نؤدي الوداع حقه، لأن الوداع حقنا، حقنا الذي علينا احتماله على مرارته، الوطن يعني أن أُمي لن تبكي وأنني لم أعُد وحيدًا بعد وداعه الأخير في ذاك الصباح.

الوطن يعني أن لا خوف أبدًا، موت الخوف وموت الجوع، موت الوداع المُفاجئ وموت السفر القسريّ، الوطن موتُ الموت، أخبرتُه أيضًا أن الوطن ليس الأرض؛ الوطن هُوَ الحلم، وأيّ أرض ستسمح لِحلمك بأن ينبت بين ثنايا تُربتها عُدّها وطنك، أيّ أرض تمنحُك حلمك، أيّ أرض تستحق، الوطن هو الحُب، الحُب الذي اعتبرتَه جريمةً لأنك أحببتَ وطنك ونَسيت أن عدوّك يسمع صدى كلماتك تمامًا كما تسمعها أنت!  ثُم مَضَيت، ورُحتُ أتساءل.. هل ما قُلته كان كافيًا حقًا؟!

رُحتُ أبحث مرةً أخرى عن الوطن وماذا يعني الوطن وأتأمل وضع شتاتنا؛ شتات قلوبنا قبل أجسادنا، شتات أحبتِنا الذين لم نلتقِ بهم والذين لن نلتقي بهم أبدًا، أصدقاؤنا القُدامى، وأصدقاء الطفولة الذين لم ولن يعودوا.

كُنت أتساءل هل يا تُرى سأصل يومًا لمعنى الوطن الذي صُغته أم سيبقى مجرد كلمات لا تَمُت للواقع بصِلة، حبر على ورق، محض خيال، عقل يبحث عن صورةٍ فرَسَمها، متى سيراها واقعًا رأي العين؟ صورته ما زالت على الحائط، وصوتُه في أذني يسألني أين أنت؟ أتذكُرني أم نسيت؟! وأنا أسأله مَن أنت؟!

تداخَلَت الصور وتشابَكت الأصوات، هوى الجسد، وصوته طوّق جسدي مرةً أُخرى، وأنا أستحلِفه بالله عُد، عُد يا رفيقي.. الدربُ بَعدك موحش، عُد لأنني عجزت بَعدَك، لأن سَفري طال بي وابتعدتُ كثيرًا.

اليوم وبعد عام.. عاد  يسألُني مرةً أُخرى “ما هُوَ الوطن؟”.
بَدَوتُ لا أعي، رفعت حاجبيّ قليلًا وانتويت أن أُجيبه بصوت قويّ في مظهرهِ وإن كان مبحوحًا في مكنونِه.
حسبني لم أسمعه فأعاد سؤاله.

–  ما هُوَ الوطن؟
–  سراب..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الوطن

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد