كالعادة في لحظات من الصمت مع متابعة الأخبار المتداولة على صفحات التواصل الاجتماعي يصادف أمام عيني فيديو بعنوان: “الاحتفال السنوي لتعزيز الاعتراف بالتنوع الثقافي وتعدد اللغات بالجيش الإسرائيلي”، وكان مصدر هذا الفيديو هو الكوميدي أفيخاي ادرعي وهو المتحدث الإعلامي للجيش الإسرائيلي الناطق باللغة العربية.

[c5ab_facebook_post c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://www.facebook.com/IDFarabicAvichayAdraee/videos/1106622059388385/?__mref=message_bubble” width=”” ]

وإن كان كالمعتاد دائمًا ما يحاول هذا الأفيخاي الظهور بصورة المواطن المتحضر المطلع على طبائع الشعوب العربية المجاورة في محاولة لإيصال رسالة غير مباشرة بأن طبيعة الكيان الصهيوني مغتصب الأراضي قاتل الأطفال يحتضن الثقافات المجاورة ويرحب بها ويفتح الباب أمامها إلى أكثر الأماكن المؤثرة في هيكل الدولة وهي العمل بالجيش الإسرائيلي، ولكن لطالما كان ذلك بشكل مبالغ دائمًا ما يدعو للسخرية بسبب تقديم ذلك بسطحية وسذاجة في صورة وردية كما لو كانت ضمائرنا لا ترى ما يحدث بشكل يومي من انتهاك الحقوق والتنكيل بأصحابها مما تسبب في إغراق آلاف الضحايا في بحار الدماء دون رحمة أو آدمية والتي بالأساس هي فطرة يجب أن تسبق تعلم المعتقدات والأخلاق والقيم.

بعيدًا عن فكرة تقديم الفيديو بهذا الشكل الزائف للحقائق كالعادة لكن هذا الفيديو أثبت بما لا يدع مجالاً للشك أنه ما يزال الجيش الإسرائيلي معتمدًا على كونه مجموعة من جنود مختلفي الأصول والأعراق “مرتزقة” ذوي أصول تاريخية بكونهم عصابات ترتكب جرائم الإرهاب وجرائم الحرب بأجر، دون الحاجة إلى ذكر ان ذلك يتم بلا هوادة وبكل ما عرفه العالم من وحشية.

وذه لم تكن التجربة التاريخية الأولي لوجود باطشين مرتزقة يسلبون ما لا يستحقون، ولكن كلما توافرت شروط التفوق العسكري لمجموعة بلا هوية “عدد أو عتاد أو خطط أو مناورات .. إلخ” وكلما توافر الأجر المرتفع مقابل تقديم دورهم في خدمة القتل كلما زادت هذه السلعة رواجًا ويتم استخدامها كأحد أدوات القتل وينتهي دورهم بنهاية المهمة المحددة.

 

وكما كان متعارفًا أن وجود المرتزقة دائمًا ما يكون جزءًا من قوام جيش نظامي وليس كيانًا مستقلاً بذاته لأن الشروط التي تسهم في تكوين الجيش النظامي هي وجود العوامل المشتركة كوحدة الأرض أو الدين أو اللغة أو التاريخ والتي تكون السبب في تكوين ماهية المفهوم العقائدي للجيوش.

لكن كالعادة ينقلب السحر على الساحر ويتحول هذا العامل المساعد في تحقيق الأهداف المطلوبة لحالة صداع مزمن بزيادة الأطماع لدى هذه الجماعات عن مستوى الحصول على الأجر إلى تهديد حقيقي خارج نطاق مواجهة العدو الخارجي باستخدام فزاعة تأليب الجماعات التي تكون فصائل المجتمع، والوصول إلى مرحلة الحروب التهلية التي يدخل بها الجيوش نتيجة لصناعة شرخ أدى إلى إيجاد قوام متفرق منفصل في الهيكل المجتمعي الواحد.

لذلك الادعاءات بأن أهم مقومات الجيش الإسرائيلي هي التقدم العلمي والثقافي وإن كانت في نظر العالم حاليًا هي مميزات ولكنها في نظر التاريخ لا تتجاوز دورها كمقومات لأفضلية مؤقتة في حالة السلم ما قبل الاشتباك لأن معيار التقييم الحقيقي وهو المواجهات المباشرة على الأرض يجعل الحسابات تختلف ما بين تقديم الحياة كثمن وتضحية دون انتظار مقابل “هدف مادي أو دفاعًا عن قضية” أو أن الدخول في هذه المواجهة بالأساس هو الحصول على المقابل المادي.

يجب أن نضع في الاعتبار هذا الرأي ليس بتقليل من قيمة الجانب العلمي والثقافي بقدر توصيف قدر ما يمثله كإحدى وليس كل مراحل الحسم في أي صراع حقيقي وبالأخص في مرحلة اتخاذ القرار اللحظي عندما يكون الموقف هو الإجبار على الاختيار ما بين دفع الثمن بحياتك كثمن فردي لدرء المخاطر أو بالقيام بما هو أكثر ضررًا على المجموع حفاظـًا على الحياه الفردية.

لطالما كان التاريخ كان شاهدًا بأن عقيدة النصر أو الشهادة تتضمن عدة محاور إيجابية سواء في جانب افتداء ما تحميه من أهداف أو كحد أدنى الاستمرار في الحفاظ على انتصارك ومن جانب آخر أن يرى المقاتل في نفسه أقل وأشرف الأثمان الممكنة التي يبذلها في الدفاع عن وطنه.

في المقابل بالنظر إلى دور المرتزقة في سبيل أن يحمي حياته تجده وبكل بساطة قد يسمح أن يكون نقطة الضعف التي يتسلل منها العدو وتخل بنظام الجيوش في مراحل مواجهة العدو وهذا إن دل على شيء بأنه بشكل ملموس أن تكوين الجيش ليس بكتلة واحدة تسير في اتجاه الهدف المباشر من أي صراع.

وهذا ما يعكس مفهوم “جيش العصابات المتجمعة المتفرقة” وهي ببساطة أن تدعي للعالم فكرة الترابط برغم الاختلاف الجوهري في التكوين الأساسي لقوام الجيوش وفصائلها، وذلك بهدف وضع خصمك في حالة الانهزام النفسي في كيفية تخيل مدى صعوبة خصم متكامل الإمكانات مع إيصال شعور إثبات ذلك بشكل بالغ الأثر بأن هذه العصابات على قلب رجل واحد وأن هذه الصورة المقدمة هو شيء سهل الاستنساخ طالما توافرت المقومات نفسها مع الدعم المبدئي من وجود صديق وحليف يرى في هذه العصابات امتدادًا استراتيجيًا ويدًا يبطش بها، ولكن بإمعان النظر مع البحث عن أشباه الصور في التاريخ تجد بأن هذه الظاهرة غير قابلة للتصديق بأي حال من الأحوال.

لذلك المواجهة الفعالة للظاهرة العسكرية الشبه نظامية حديثة العهد مقارنة بالصراع الفكري قديمة الجدل تتم في محورين أساسيين أولهم هو استغلال ما يدعى من نقاط القوة وتحويلها لنقاط ضعف عن طريق استراتيجية وإن كانت طويلة المدى ولكنها واضحة المعالم بتفكيك هذا الجيش المختلف العروق إلى صورتها الأولية بمجموعة من العصابات المختلفة وذلك لا يتم إلا بالشق الثاني وهو العمل على عزل وتحجيم هذا العدو من عوامل المساعدة من الحلفاء الداعمين والتي تمثل فصل العقل المريض عن الجسم المشوه الأعضاء والذي بزراعة عقيدة حانت بداية نهاية استئصال الورم المستشري في جسم الأمة لأصبح سهل المراس.

وجب التنويه بأن هذا الحديث ليس بمدح غير مباشر أو حتى بمقارنة بما ندعيه من وحدة وقوة لجيوشنا العربية بل هو مجرد تحليل لحالة شاذة أثبتت نجاحًا مؤقتًا قصير المدى ولكنها تعتبر أداة موجهة كخصم لك فالتعامل معها بأي شكل أمر لا مفر منه، لذلك وجب وضع هذا الأمر كأول الأولويات العاجلة مع الاستنفار ودق ناقوس الخطر واستيعاب أن كلما زاد مرور الوقت دون مواجهة مباشرة كلما كانت عملية تطهير الجسد من أمراضه المزمنة أكثر تعقيدًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد