بصورة عامة؛ من الأخطاء التي يقع فيها الفرد العادي في خصوص ظاهرة العولمة والتفوق الأمريكي والغربي اليوم أن التفوق اقتصادي وعسكري فقط، وحتى من يعرف أن التفوق ثقافي فإنهم غالبًا لا يعيرون مسألة الغزو الثقافي قدرًا كبيرًا من الاهتمام. على الرغم من أن غزو الدول النامية منذ بداية الألفية الثانية يتم بصورة فعالة وصولًا إلى مرحلة الاختراق ثم التغريب بدون تحريك دبابة واحدة قيد أنملة.

وقد وصف الدكتور صبري إسماعيل مِقْلد، أحد قامات العلوم السياسية والعلاقات الدولية، التغلغل والاستعمار الثقافي في أحد مؤلفاته أنه الأطول والأقوى والأكثر استقرارًا من الاستعمار الاقتصادي ويليهم الاستعمار العسكري. وهو ما يجعل القوى الناعمة من أكثر الوسائل فاعلية في حروب الجيل الرابع.

فالحضارة ترتكز على عدة مقومات ثقافية وأيديولوچية تستهدف من قبل القوى العظمى وهي اللغة والدين والتاريخ. وهو نَظَّرَ له العديد من أساتذة العلوم السياسية والعلاقات الدولية وأبرزهم (صمويل هنتنجتون) في مؤلفه (صدام الحضارات) حيث يكرسون للصراع الثقافي بديلًا عن الصراع الأيديولوچي على امتلاك القوة بعد الحرب الباردة.

ولقد وجدت أنه من المثير للدهشة أن الأمر ما زال في طور التصعيد الهدّام، رغم أن الفوضى الناجمة عن المعترك السياسي في بلادنا العربية لا تُحتمل، والحقيقة ولأني عايشت تلك الأحداث عن قرب، وحين استغرقني البحث، وجدت أن أقوى أسلحة تلك الصراعات فتكًا أصبح لا يتعدى في بعض الأحيان كونه «نكتة»، فالسخرية تمثل أحد چينات العقل المصري على وجه الخصوص، وأكثرها فاعلية في التعبير عن أفكاره وفرحته ومعاناته.

ومع استمرار تطور الحرب الناعمة، والتي يدعوها البعض حروب الجيل الرابع أو حروب الظل أو حرب اللاعنف، فإن المشهد يزداد تعقيدًا فيمكنك الآن الذهاب بعقول البشر حيث تشاء، من خلال الهواتف المحمولة واستغلال ما يحبونه ويشعرون بالانتماء إليه بطرق مسلية وجعلهم يتفاعلون صوتيًا ومرئيًا. ولكن المسألة أيضًا ليست بسيطة، فاعتمادك الأكبر في تلك الحالة سيكون على ثقافة المتلقي شبه المعدومة كوسيلة استقطاع للحقائق، وهذا يعتمد، بالضرورة، على مدى سعة الرقعة المعلوماتية في ذهنك أنت باعتبارك ملقنًا.

وبخصوص استيعاب وسائل تطبيق هذا التوجيه العقلي على ملايين من البشر الذين قد يمثلون شعبًا أو أمة واحدة، أشار مؤلف كتاب الربيع العربي آخر عمليات الشرق الأوسط الكبير (محمد حسن الزين) في مقدمة كتابه أن الأبحاث والدراسات العلمية قد أظهرت أن الذهن البشري غير مصمم، وفق تركيبته البيولوچية، على معالجة كمية معطيات، ضمن ملف معلوماتي ضخم يرقى إلى مستوى عملية دولية ذات أبعاد چيوستراتيچية، خاصة إذا وردت تلك المعلومات والمعطيات إلى الذهن بطريقة عشوائية متناثرة وفي حالة تسارع الأحداث والتداعيات الناجمة عنها.

لأن تلك العمليات لا ينتجها إلا مجمع استخباراتي دولي ضخم، ويصممها آلاف الخبراء، يبذلون في بلورتها جهودًا كبيرة وجبارة على مدى سنوات. والذهن البشري غير مصمم أو مؤهل لتفكيك وإعادة تركيب الهرم المعلوماتي لعملية چيوستراتيچية مكونة من آلاف القطع المتناثرة دفعة واحدة، بل يحتاج إلى جمع وتفكيك تدريجي شبيه بالتدرج الذي صممت فيه العملية.

وقد أكد (روبرت مالي) مستشار الرئيس الأمريكي الأسبق (بيل كلينتون) في مقالة له بعنوان (مصر ما بعد مبارك.. ولادة جديدة للشرق الأوسط) نشرت في صحيفة الواشنطن بوست في 8/2/2011، أن الجرأة التي حظي بها العرب لمواجهة الأنظمة الحاكمة جاءت نتيجة مشاهدتهم تعثر الجيش الأمريكي في أفغانستان وفي العراق وعدم قدرة إسرائيل على إخضاع حركة حماس أو حزب الله. وهو ما زاد من رصيد تيارات الإسلام السياسي الذي اكتسب من الزخم حدًا وصل أقصى صعود له منذ السبعينيات.

وقد ذكرت في مقال سابق بعنوان (أنور السادات.. المفترى عليه) بخصوص أن الولايات المتحدة غالبًا ما تقوم بإحداث الفوضى، ثم هندسة مجرياتها لتصب في النهاية في بوتقة مصالحها، وهو ما أشارت إليه (كونداليزا رايس) وزير خارجية الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دابليو بوش في لقاء صحفي نشرته جريدة واشنطن بوست في 9/4/2005، حيث صرحت رسميًا اعتزام الإدارة الأمريكية نشر الفوضى الخلاقة لترسيخ الديمقراطية في العالم العربي.

ويكيليكس والقوى الناعمة

والقوى الناعمة هي الآليات التي تعرض كل تأملات وإنتاج وتطويرات العقل البشري على المستوى الثقافي، من خلال الموسيقى والأدب والفنون والجامعات ومراكز الأبحاث، وعن طريق الإنترنت والقنوات الفضائية وصولًا لصفحات التواصل الاجتماعي (فيسبوك وتويتر ويوتيوب وغيرهم)، بشكل يضمن وصولها إلى أكبر عدد من المتلقين على مستوى العالم، ومن ثَمَّ تحقق توجيهًا لعقول أكبر قدر منهم في إطار مذهب فكري ونمط حياة وثقافة معينة.

وعلى سبيل التوجيه الإعلامي وعلاقته بالربيع العربي. وأشار (الزين) إلى أن وثائق (ويكيليكس) نُشِرت في 5/12/2010 قبل الحراك التونسي بأسابيع وهي الفترة الكافية لانتشار مفعول العصف الإعلامي. وهو ما يسترعي الانتباه حيث كانت تلك الوثائق الأولى التي تنشر بالعربية، وهو ما التفت إليه الكاتب التونسي حسن مصدق ووضعه في الحسبان.  

وليس أيضًا من قبيل الصدفة نشر الوثائق قبل أسابيع من الربيع العربي، ولهذا قال البروفسور جوزيف ناي أحد مستشاري أوباما للشؤون الدولية إن «وثائق (ويكيليكس) نموذج واقعي عن تأثير القوة الناعمة الأمريكية في السياسة الدولية رغم أنها وثائق مسروقة» فهي لعبت دورًا محفزًا ومسرعًا ومكثفًا للحراك بمعزل عن خلفيات جوليان أسانج ومسرب الوثائق الجندي الأمريكي برادلي مانينغ.

قِطَع الدومينو و(عملية) الربيع العربي

يوضح (الزين) أن لفظة العملية هي الأكثر شيوعًا في تصريحات قادة البيت الأبيض وفي سياقات مختلفة مثل (العملية جارية – ونخشى خروج العملية عن نطاق التحكم والسيطرة – وأنجزت العملية بعض أهدافها…)، ومفردة العملية، التي يقابلها في الإنجليزية process، وفقًا للتعريف الأمريكي الأكاديمي لها هي (مجموعة من الأنشطة المتفاعلة أو المترابطة التي تحول مجموعة من المدخلات إلى مخرجات).

ووردت لفظة (قطع الدومينو) حرفيًا على لسان الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما في مذكرته الرئاسية رقم 11 الصادرة في 12/8/2010 قبل التحرك على أرض الواقع (حيث سيؤدي وقوع نظام عربي واحد إلى تدحرج بقية الأنظمة بأثر موجات الدومينو الثورية الديمقراطية).

وإن البداية حسب وثيقة معهد السلام المنشورة في 21/1/2010 وقبل الثورات العربية بسنة وجاءت على شكل توصيات ودراسات حالة تحت عنوان (تعزيز ودعم الأمن والديمقراطية في الشرق الأوسط الكبير) وذكر فيها: «إن دعم الديمقراطية من قبل مسؤولينا الأعلى لن يدعم المصالح الأمنية الأمريكية فقط، بل إنه سيرفع من شأن رؤية الرئيس أوباما بعلاقات جيدة بين الولايات المتحدة ودول الأغلبية المسلمة، الرؤية التي وضع معالمها بجرأة خلال خطابه في القاهرة في 4 حزيران 2009، من خلال تشجيع إدارة أوباما على صياغة استراتيجية تربط بين الأمن والتغيير الديمقراطي، فإننا نقدم ما نعتقد بأنه سيكون استراتيجية مجدية سياسيًا وطويلة الأمد، وهي الاستراتيجية المفضلة سواء في الاعتماد على الوضع الراهن، أو محاولة تقويضه بسرعة عن طريق تشجيع تغيير النظام». والجملة الأخيرة هي الأخطر في الـ70 الدراسة، فهي تتحدث رسميًا عن تشجيع تغيير النظم العربية قبل سنة من الربيع العربي.

ويذكر أن معهد السلام هو المعهد البحثي الخاص بالكونجرس والبيت الأبيض، وهو يضم خبراء من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، من بينهم المفكر فرانسيس فوكوياما، ويعين رئيس المعهد أوباما (يرأسه حاليًا البروفيسور دانيال برومبيرغ، وهو مدير مبادرة أمريكا والعالم الإسلامي ومقرها قطر). وقد كُلِف معهد السلام USIP بعد اندلاع الثورات بإدارة الملف الذي سُمّي رسميًا بـ«مكتب الربيع العربي». ولهذا عين السفير (فريدريك هوف) عضو معهد السلام مديرًا للملف (الانتقالي السوري) وعين الدكتور رضوان زيادة الخبير لدى المعهد ممثلًا للمعارضة السورية في واشنطن.

وقبل 4 أشهر من قيام الشاب محمد البوعزيزي بإحراق نفسه في 17/12/2010 متسببًا بالاحتجاجات التونسية التي أسقطت زين العابدين بن علي في 14/1/2011 أرسل الرئيس أوباما في 12/8/2010 إلى أعضاء مكتب الأمن القومي وقادة الوكالات الأمنية والأركان العسكرية مذكرة توجيهية غاية في الخطورة حملت عنوان (الإصلاح السياسي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا).

وقد طلب أوبامـا إعـداد ما يلزم تحـضيرًا لأن (المنـطقة دخلت مرحلة حساسة وحرجة) وأضاف (يجب علينا إعطاء دفعة قوية من الديمقراطية لضمان المصالح وتوفير المصداقية لسياسـاتنا على المدى البعيد)، مرجحًا (أن يختار القادة العرب القمع بدل الإصلاح عندما يواجهون أي معارضة داخلية، لكن موجة التغيير والتحول ستنتقل تدريجيًا لتعم الشرق الأوسط). وقد وُثِقت المذكرة بعنوان (توجيه رئاسي)، وهو شكل دستوري تتبعه قرارات رئاسية تنفيذية تعرف رمزيًا بـPDD ورقم مسلسل، واللافت صدورها سنة 2011 مع إخفاء تفاصيلها خلافًا للعادة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد