سبعة أعوام انقضت من تاريخ الثورة السورية التي لم يمر يوم واحد فيها دون حدوث المئات من حالات الاعتقال التعسفي في صفوف الشباب السوري الثائر في وجه الظلم والاستبداد وفي سبيل نيل الحرية والعيش الكريم.

لا أبالغ إن قلت لكم إنه كان يتم اعتقال الآلاف من كافة أنحاء سوريا، ففي فترة اعتقالي في أحد الأفرع الأمنية هناك كنت أشهد على دخول المئات يوميًا إلى ذلك الفرع الأمني في حماة فمابالك بالعدد الكبير من الأفرع الأمنية في سوريا، ناهيك عن المعتقلات غير اارسمية والتي تتبع لميليشيات الشبيحة والدفاع الوطني.

«الداخل مفقود والخارج مولود» أولى العبارات التي استوقفتني عند دخولي لهذا الفرع، فكرت بها مرارًا وتكرارًا، هل يعي هؤلاء ما كتبوا على مداخل الأفرع؟! فبمجرد دخولك لهذا المكان ستواجه الخيار الأول، فأنت محكوم بالموت لمجرد الدخول بغض النظر عن التهمة أو التوجه السياسي وبغض النظر عن جنسك رجل أو شاب أو امرأة، طفل أم طفلة، جميعهم لا يهم.

وبالفعل مر اليوم الأول فقط لأيقن تمام اليقين أن ما كتب أثناء دخولي على هذا الفرع أني سأموت خلال أية لحظة، ومثلي الكثيرون من بات يذوق جميع أصناف التعذيب اليومي صباحًا مساءً ولأبدأ برؤية جثث القتلى تحت التعذيب يوميًا.

لست بصدد ذكر ما مر معي ومع الكثيرين من أبناء شعبي في سجون ومعتقلات النظام، فبعد كل تلك الأعوام التي قضاها أولئك عاد الكثيرون منهم في الأيام الماضية إلى ذويهم، وبكت أمهاتهم وزوجاتهم وأولادهم عليهم بكاءً شديدًا بعد أن نسوههم تقريبًا، أو بعد أن فقدوا الأمل بلقائهم أيضًا.. فكيف عادوا؟

عاد السوريون المعتقلون إلى ذويهم أسماء على ورق فقط، بدون جثة، وبدون مراسم دفن، وبدون أي شيء، فقط اسم على ورق بعد أن أرسل النظام السوري لدوائر النفوس في المحافظات أسماء معتقلين قضوا في السجن (تحت التعذيب).

ليس هذا فقط بل إن النظام قد زور المعلومات في الورقة أيضًا فمثلا عملية موت المعتقل تمت من خلال سكتة قلبية دون ذكر المكان مع تزوير تاريخ الوفاة أيضًا ونقله للعام الحالي مع العلم أن معظم من تم تسليم اسمه قد اعتقل ما قبل عام 2014 لكن تاريخ الوفاة سجل بعام 2018.

سابقًا وفي سنوات الثورة السورية الأولى كان السؤال عن مصير المعتقلين ضرب من الخيال بالنسبة لذويهم. بل أن مجرد السؤال عنهم قد يودي بصاحب السؤال إلى ذات مصير المعتقل أيضًا.

في الأيام القليلة الماضية غصت دوائر النفوس في محافظة حماة بعدد كبير من الأهالي الذين بلغوا بوفاة معتقليهم، حيث استقبلت دائرة نفوس حماة لوحدها قائمة تضم أكثر من 100 اسم لمعتقلين في سجون قوات الأسد، وبعضهم من ذهب دون تبليغ عله يرى أو يقرأ اسم ابنه ليريح نفسه من عناء انتظار خبر عنه، ولك أن تتخيل عزيزي القارئ منظر تلك الأم أو ذلك الأب الذي يبحث بين قائمة الأسماء عن اسم فلذة كبده، ومدى القهر والحزن بل والذل الذي في داخله، فأي ذنب اقترفه ذلك الشاب حتى يقتل في سجون القهر والظلم والاستبداد، فكل ما طلبه هو أن يعيش بحرية وعزة وكرامة بعيدًا عن التعظيم والتبجيل والهتاف بحياة القائد.

ليست حماة وحدها من استقبلت قوائم بأسماء أبنائها ممن قتلوا تحت التعذيب، بل استقبلت دمشق وحلب قوائم مماثلة أيضًا تضم أعدادًا كبيرة من أسماء تعود لمعتقلين في سجون النظام.

لكن ما الهدف من إرسال قوات الأسد تلك القوائم في هذا التوقيت؟

يرى الجميع أن الهدف الرئيس وراء كل ما سبق هو محاولة قوات الأسد طمس ملف جرائمه ضد الإنسانية من اعتقال تعسفي وتغييب قسري والقتل والتعذيب خارج القانون، وطي ملف المعتقلين الذي كان نقطة حوار في كل اجتماع أو مؤتمر دولي حول سوريا لا سيما مؤتمري أستانا وجنيف واحد واثنان خاصة مع اقتراب عقد اجتماع حول سوريا سيضم تركيا وروسيا وإيران.

ويرى النظام السوري أن التخلص من ملف المعتقلين الكبير من أهم الأعمال التي يجب القيام بها قبل بدء أي اجتماع دولي، وليظهر للعالم أن سجونه فارغة من المعتقلين السياسيين أو المعارضين وأنه لن يتم تسجيل أي حالة وفاة داخل معتقلاته، وأن من قتل قد قتل بسكتة قلبية فقط لا غير كما ذكرنا سابقا وهو لا يحوي معتقلين أصلا.

ونشرت «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» تقريرًا بين حصيلة الضحايا بسبب التعذيب في سوريا، التي بلغت 13197 شخصًا، بينهم 167 طفلا و59 امرأة، منذ مارس (آذار) 2011 حتى يونيو (حزيران) 2018، تتحمل قوات النظام مسؤولية مقتل 99% منهم.

سبعة أعوام من الاعتقال والغياب في غياهب سجون النظام والتعذيب حتى الموت تختصر بورقة صغيرة ضمت المئات بل ربما الآلاف من الأسماء لمعتقلي الحرية، ربما هي جريمة أخرى تضاف لجرائم نظام احترف الجريمة بكافة أشكالها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

وكالة سمارت الشبكة السورية لحقوق النظام مواقع التواصل
عرض التعليقات
تحميل المزيد