ما الذي يجعل الرسم حرفةً أو فنًا؟!

امسك قلمك يا فتى، ارسم في الليل والنهار، بحلول وقت ما ستكون رسامًا رائعًا، سيستحيل التفريق بين الواقع وما ترسم، ستُدهش كل الكسالى، سيصفقون لك ويتداولون صور لوحاتك «يا إلهي تبدو وكأنها حقيقة!»، سيعلقون بانبهار ولكنك لن تكون فنانًا أبدًا.

ستظل الفرشاة في يدك علامة لحرفة ما، إنك فقط تجيد الرسم، بتعبير أدق أنك تجيد التصوير، تجيد عمل آلة تدعى الكاميرا، وبهذا أنت تهدر الوقت، ساعات من آلام الظهر لتصنع شيئًا، وجدت آلة لطيفة وصغيرة لصنعة في أقل من ثانية. أنت طموح جدًّا، متفان للغاية، بيد أنك تركض للخلف، لزمن كنت لتكون فيه مبدعًا قبل أن يخترع عقل الإنسان الكاميرا.

أنا لا أقلل هنا من شأن ما تصنع، بيد أني أخشى أن تُصنف فنانًا، أن تعتقد نفسك كذلك. لأنه وبالنسبة لي فأنت فقط حرفي متقن وبارع للغاية وتستحق الثناء. إذ إنه بالإمكان توارث الحرفة، تعلمها، كسبها بطريقة ما، لكن كسب عينين فنيتين، روح ملونه، نظرة متطرفة وجامحة، غريبة ومألوفة، متناقضة بحيث تعجز الكاميرا عن صناعتها، وتعجز العينان عن تخيلها، ووحده عقل بشري فريد قادر على نقلها إلينا، عقل حقيقي وطري كألوان الزيت، أمر لا يمكن اكتسابه إن لم يكن موجودًا سلفًا في روح الفنان وعقله. ذلك الذي أقف عند لوحته متأملاً: «يا إلهي ما الذي كان يفكر فيه؟!» بدلًا من أن أقول «يا إلهي كم تشبه ما أرى!».

يقول غوته: «الحرفي يعمل بيده، والمهني بعقله، والفنان يعمل بقلبه، وعقله، ويديه»، إن نقل مشهد ما لقطعة قماش، مشهد واقعي بأدق تفاصيله لا تكاد تفقد فيه جزئية واحدة عن حقيقته، ويستحيل إيجاد فوارق ما بين صورة فوتوغرافية له واللوحة، لا يمكن تصنيفه كعمل فني على الإطلاق؛ إذ إن التعبير الأنسب له هو أنه «عمل حرفي متقن»، وهذا لا ينكر عنه صفة الجمال، بل يسلبه الحرية، انه عمل مقيد بالحقيقة. وكما أشار بيكاسو «نعرف جميعًا أن الفن ليس الحقيقة، إنه كذبة تجعلنا ندرك الحقيقة»، فلا يمكن أن تكون الواقعية المفرطة الناقلة لمشهد ما فنًّا؛ لأنها أبعد عن الكذب.

فالفن قول شيء صعب بطريقة سهلة، كما عبر عنه بوكوفيسكي، هو تعبير، قول لا يخضع لشروط الواقع، حر ومرن، ويستطيع الانصهار بسلاسة لإثارة أفكارك وعواطفك، هو الشعور الذي لا يمكن تشكيله بالوراثة أو بالمواظبة على حصص الرسم، إذ إن الأخيرة يمكنها إكساب الفنان تقنيات تساعده على إظهار ما يدور في عقله بصورة أدق وأكثر جمالية، ولكنها لا تضع تلك الصور فيي عقلة على الإطلاق. إنها تستحث اليدين فقط. فتعلُم النسب الفنية، مزج الألوان، وقوانين الظلال ليس سوى أداة. ويمكن هنا تصوير مقارنة بسيطة بين إنسان تعلم الكتابة فأخذ يكتب أشعار غيره بخط أنيق، وبين من تعلم الكتابة فأخذ يكتب أشعاره الخاصة. كلاهما كتبا الشعر، الأول مارس الكتابة كحرفة ناقلة، والآخر مارسها للخلق. فهل يمكن تصنيف الاثنين بشاعرين لمجرد اشتراكهما في كتابة الشعر؟! إن أولئك الذين يرسمون الحقيقة مجرد ناقلين وبتعبير أفضل «إنهم يسرقون أشعار الطبيعة ليدعوا لاحقًا بأنها لهم».

إذن فأنا هنا أتحدث عن اللوحات الواقعية، تلك المفرطة في واقعيتها لحد انعدام الخلق الذاتي للرسام فيها، لتجعل منها صورة فوتوغرافية زيتية لا أكثر. وقد يرى البعض بأن الحديث عن الفن بهذه الطريقة هو ناتج عن عجز في الرسم، أولئك الحداثيون ليسوا سوى كائنات عبثية. إنهم يبررون عجزهم عن الرسم بهذه الادعاءات، ولا أنكر فقدان الكثير من الفنانين القدرة على الرسم الواقعي. وإن كان يراه الآخرون عجزًا والفنانون نقصًا، فعلى العكس أنا لا أعده أساسًا، وإنما مهارة ستجعل يد الفنان القادر عليها أكثر طواعية وانسيابًا مع أفكاره لكنها لن تخلق أفكاره.

وأذكر أنه قد قال لي أحدهم متهكمًا بعد عرض هذا الرأي «الجميع إذن فنانون؛ لأن الجميع يجيد الشخبطة»، فما الضرر من أن يكون الجميع كذلك، لكن للأسف فإن الجميع غير قادرين عليه، وإلا لرأينا الشوارع تفيض باللوحات، ولصارت الألوان من السلع الأساسية. لكن الرغبة والرؤية الفنية أمرٌ لا يعيش في خلايا الجميع، وإن كان فيما سبق يتهكم على الرسم التجريدي، فأنا هنا لست أتحدث عن الرسم التجريدي فقط، بل أتحدث عن ابتعاد الرسم كحرفة عن الفن، فمدارس الفن تتعدد ورسم بورتريه شخصي لأحدهم قد يكون تحفة فنية مدهشة، عندما يستطيع الفنان فيها أن يظهر لنا شيئًا لا يمكن أن نراه إذا ما نظرنا لصورة الشخص ذاته. بواسطة انعكاس لوني ذكي مثلًا يظهر شعور ما، رغبة ما، شيء وحده الفنان رآه وها هو يعطينا الفرصة لنراه أيضًا.

إذن فالفن ليس أداة للتوثيق، إنه تخليد لشعور وفكرة، تخليد مبتكر وحر. إن اللوحة التي تثير انبهارنا بقدرة رسامها تُنسى لأنها لا تصل لنوابضنا، بيد أن تلك التي تثير تساؤلنا، شكوكنا، توقظ مخاوفنا وتستفز تفكيرنا، تلك التي لم توجد لتزين حائطًا ما، بل لتتلو قصصنا الخاصة. تلك اللوحات التي تبدو سهلة للغاية لدرجة تخيُلنا مقدرتنا على تقليدها، لا ننساها. وتلك هي صنيعة فنان بالتأكيد. فالفن هو القدرة البشرية على الخلق. وعندما لا أستطيع التمييز بين لوحتك والواقع، فسأهتف لك: «مرحا يا لك من رسام رائع، يا لك من حرفي مُتقن».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات