قبل أن تبدأ عملك كصحفي في أي مكان على أرض المحروسة، يجب أن تعلم أن هناك 4 مؤسسات لا تقترب منهم، وهم بترتيب الأهمية «القوات المسلحة– الرئاسة– الكنيسة– الأزهر»، تلك المؤسسات باتت تعرف داخل بلاط صاحبة الجلالة بالمؤسسات السيادية.

بعض من تلك المؤسسات يجب عدم الاقتراب منها بنص القانون، مثل القوات المسلحة التي نص عليها قانون 96 الذي ينظم عمل الصحافة، مشيرًا أن نشر أي معلومات عن القوات المسلحة يجب أن يكون بإذن مكتوب كبرت المعلومة، أو صغرت في هذا المضمار، كما أكد ذلك قانون الإرهاب في عام 2015.

أما الرئاسة أو الأزهر والكنيسة فعدم الاقتراب منهم يخضع لمعايير كثيرة، أهمها الحفاظ على هيبة الدولة فيما يتعلق بـ«الرئاسة»، أو النسيج الوطني، ورد مؤامرات الأعداء الذين يريدون إشعال الفتنة، وهذا ما يتعلق بـ«الأزهر والكنيسة».

وباستثناء «القوات المسلحة والرئاسة» تبقى هناك مساحة أيضًا لانتقاد «الأزهر والكنيسة»، ولكن فيما يخص نهج المؤسسات، ولا يطعن فيهم بجانب التوقيت الذي ستنتقدهم فيه، وهو ما يعني في نهاية الأمر أن تلك المؤسسات ليست متاحة للنقد الصحفي الذي يرى أن من حقه انتقاد كل شيء، وللجميع وجهة نظر في ذلك فالدولة ترى أن المؤامرات كثيرة -وهو صحيح- والصحفي يرى أن المواجهة هي الحل، وهو أمر أيضًا صحيح.

تلك القاعدة لم تكن وليدة اللحظة، أو حتى نتاج 25 يناير 2011؛ بل هو ما استقر عليه نظام مبارك لأكثر من ثلاثة عقود، وتم الاتفاق الضمني عليه طوال فترته، ولعل قضية مرض مبارك الذي أثارها إبراهيم عيسى كانت أبلغ مثال أن الاقتراب من الرئيس يؤدي بك إلى المحكمة.

في الأسبوع الماضي تم وقف برنامج إبراهيم عيسى على قناة القاهرة والناس، القرار جاء من القناة، و«عيسى» أشار إلى ضغوط في بيانه، ولم يعد ممكنًا الفصل بين ما حدث، وبين عدم إقامة معرض «لومارشيه» بسبب الأجهزة الأمنية، وهو معرض ينظمه طارق نور مالك قناة القاهرة والناس.

إغلاق برنامج إبراهيم عيسى كان سببه الأساسي مهاجمته للدكتور علي عبد العال رئيس مجلس النواب الذي لم يُخف ضيق صدره من هجوم «عيسى»، معلنًا من على كرسيه في البرلمان أن «إبراهيم» يثير الفتنة الطائفية.

بعد ذلك أخذت الأمور في التصاعد، ووصل إلى حد التوسط من الكاتب الصحفي عماد الدين حسين، الذي أكد أن الدكتور علي عبد العال تعهد بعدم إغلاق أي برنامج -لا أعرف ما صفة عبد العال لإنهاء برنامج وما إمكاناته لفعل ذلك وهو رئيس سلطة تشريعية لا أكثر- كما أعلن رئيس تحرير جريدة الشروق إنه سيتحدث مع إبراهيم عيسى لحل الأزمة، لكنه لم يكتب مقالًا يخبرنا فيه ما حدث على حد متابعتي.

ما حدث من وقف إبراهيم عيسى لم يكن بالأمر الجديد، فسبقه يسري فودة وريم ماجد وآخرون كان نبرة معارضتهم مرتفعة، ولكن ما توقفت عنده هو إنه في الوقت الذي يتجه فيه العالم إلى إلغاء ما يسمى جهات سيادية أمام الصحافة يحدث في مصر العكس، فالبرلمان أصبح هو الآخر جهة سيادية لا يمكن الاقتراب منها، وإلا المصير هو الوقف، وإن كان بطرق أخرى غير القانون.

والسياديون أصبحوا كُثر في الوقت الحالي، البرلمان، شخصيات سياسية، رجال أعمال، كل منهم أصبح خطًا أحمر، فلا عجب أن رأينا الحكومة تغلق برامج أو تمنع صدور أعداد صحفية، ولا عجب أن رأينا رئيس حي يثور من أجل مشكلة قمامة، أما إذا تركنا ذلك كله، وبدأنا نبحث عن المواطنين الفقراء فثمة مواطن شريف جاهز بدعوى قضائية بتهمة نشر مناخ تشاؤمي، وبالطبع سيتم التحقيق فيها.

لم تعد القاعدة هي أن هناك 4 مؤسسات سيادية لا يمكن الاقتراب منهم؛ بل أصبح السؤال من منكم بلا سيادة لنكتب نحن عنه، ولا نتعرض للحبس، أو غلق الجريدة، أو وقف البرنامج.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد