افتتح الكلام قائلًا: هل ما ظنناه عن تلك الحياة كان صحيحًا؟ ماذا لو كان وهمًا أو فخًّا نُصب لنا؟! أيعقل هذا؟

كان كلامه هذا بمثابة القشة التي قسمت ظهر البعير.

فسمعت صوتًا من بعيد يقول بصوت خافت: من الممكن أن يكون فخًّا. ولكن إن كان فخًّا فمن نصبه لنا؟! لا لا بالتأكيد هناك سبب آخر، أو يوجد سوء فهم ما.

ولكن رويدًا رويدًا تسرب هذا الهاجس بين الصفوف، هل يكون حقًّا فخًّا وإن كان كذلك، فياللهول حقـًّا! كيف لم نتكشف هذا؟ فرد صوت آخر يكاد يكون قريبًا: ومن أنت لتدرك هذا أنت مجرد دمية ليس أقل ولا أكثر، أيجوز للدمى السؤال؟ لا بالتأكيد أنها تتحرك وفقـًا لإرادة صاحبها فقط، فاصمت.

فجاء الصوت الخافت نفسه يقول: صدقت يا أخي اسمعوا له جيدًا كلامه صواب، صواب، صواب.

فحمل الهواء صوتًا آخر مرتبك يكاد يجهش بالبكاء قائلًا: أتقصدون الله؟! قولوا لي، ثم وجه كلامه مخاطبًا الله بلهجة عاتبة، أحقـًا أنت هكذا يا الله؟ هل هذا كله عبث؟! وإن كان فخًا كما يقولون، فلماذا أشعر بغير هذا؟! –آه يا إلهي– قد مزقني التفكير، فلمَ يا الله رزقتنا بهذين النقيضين؟ ألم يكن القلب كافيًا لنصل لك ونحيا هنا بسلام؟! السلام يا الله السلام وانجهش بالبكاء.

فجاء صوت آخر رادًا عليه: ولمَ القلب يا صديقي؟! أليس العقل بكاف؟! وساد الصمت لبعض الوقت الكل راحل في فكره يتنقل هنا وهناك كالكرة المطاط، إلى أن جاء صوت يتضح فيه القوة والحزم قائلًا: إن كان هذا فخُا أم لا فهذا لا يهمني المهم أن أحيا تلك الحياة بشتى الطرق فقد سئمت يا سادة.

ورد صوت آخر مؤيد له، ثم آخر، ثم آخر، ثم آخر.

فقال أحدهم كيف تخاطرون هكذا؟! هنا لا تجوز المقامرة والمغامرة، إما الحياة أو الموت، لا توجد هنا أنصاف حلول كفاكم هراء، وأعيدوا التفكير إنه المصير يا سادة الذي تلعبون به بين أيديكم الآن، البشرية الآن تنتظركم بالخارج، فتمهلوا.

ثم رد هذا الصوت الباكي قائلًا بيقين: إن الله لا يخدعنا، فهو الكامل العزيز الرحيم العادل، فكيف يقسو علينا ومن ثم يتبين لنا أنه ظالم؟! إنه كامل لا يريد منا شيئًا، نحن من نريد، فقاطعه أحدهم قائلًا بسخرية: رائع ما تقول حقًا، ولكن إن كان حقـًا هكذا فلمَ تركنا وحدنا مقيدين بهذا العالم وذاك الجسد؟! لمَ يضعنا دومًا في اختبارات ويفرض علينا ما لا نريده تحت مسمى القدر والنصيب؟! لم لا يدعنا نحيا كما نشاء؟ لم لا يتركنا في حالنا؟! ولمَ بالأساس وضعنا هنا؟! فهلل بعضهم مؤيدًا له، فقطع التهليل ذاك الصوت الباكي قائلًا: الله أعطانا تلك الحرية التي تدعي غيابها، فها أنت تقول ما لا يقال عنه وتنتهك قدسيته وتركك هنا إلى الآن بيننا تعبث وتَسب، أليست تلك حرية؟! أأجبرك الله أن تقول هذا؟! قل لي ولهم؟! فهلل بعضهم مرحبًا بهذه القنبلة، فسّاد الصمت مرة أخرى، وكان تلك المرة مريرًا، كأنهم يزيحون حجارة الهرم الأول، مخيفًا، صعبًا، قاتلًا، فرد ذاك الصوت المنهتك لقدسية الله: أيوجد إله من الأساس؟ فحدث هرج ومرج كالعادة في الجموع، وكالعادة أيضًا حدث صمت وسكون بين الصفوة، فحدث ما لم يتوقعه أحد على الإطلاق حتى أنا.

اخترقت الصفوف امرأة بهدوء يكاد يقتل، إلى أن صاح بها أحد العامة قائلًا بسخرية: المطبخ ليس من هنا فاذهبي.

فنظرت إليه بعين واثقة وأشاحت بنظرها عنه، وقالت موجهة الحديث إلى الصفوة: كيف تورطتم في هذا العبث؟! ألستم النُخبة؟! كيف تسمحون بهذا يا سادة وأنتم أعلم بسر الأمر وكينونته.

الله يا سادة لا يحتاج كل هذا لإثباته، من أراد الوصول إليه وصل، وأما بخصوص لمَ فعل الله بنا هذا؟ أو الفخ كما أسميتوه، كيف يمنعننا الله أن يكون لنا وجود بعد أن كنا عدمًا؟! كيف يحرمنا من تلك التجربة؟! إنه الله يا من وصلتم إليه، فكيف يقسو علينا؟! أراد أن يُذيقنا يا من وصلتم!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد